الرئيسية » مقالات الرأي » “أبو ليلى” لأمين سيدي بومدين .. سنفونية عبثية بنوطات سينمائية

“أبو ليلى” لأمين سيدي بومدين .. سنفونية عبثية بنوطات سينمائية

 من يشاهد فيلم “أبو ليلى” لأمين سيدي بومدين المشارك في مسابقة أسبوع النقاد لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته 41، يدرك أن هذا المخرج يتكئ على رؤيا واضحة ويرسم طريقا سينمائيا جديدا ومتفردا عن أقرانه في الجزائر، فأمين سيدي بومدين يطرق اللامألوف ويبحث عن الغرائبية فيصعب الأمر عليه وعلينا ولكن في النهاية النتيجة مضمونة وهو رضاه على عمله ورضانا على مشاهدة رائعة سينمائية توحي بولادة جديدة للسينما الجزائرية.

بعد تجربتين قصيريتين الأولى “غدا الجزائر” والثانية “الجزيرة” أين يستيقظ رجل على خليج صغير لحظة شروق الشمس، ماراً عبر مدينة الجزائر الموحشة، يقطع الأمتار القليلة التي تفصله عن الحرية، يستيقظ أمين سيدي بومدين وهو كاتب سيناريو ومخرج سينمائي، حصل على شهادة في الإخراج عام 2005 في “كونسرفتوار ليبر دو سينما فرانسيز” في باريس، وانتقل بومدين بعدها للعمل كمساعد مخرج في مشاريع عدة، ليجد نفسه تائها في الصحراء رفقة شخوص فيلمه “أبو ليلى”، ولكن في الآن نفسه يرسم طريقا فلسفيا يدفع مشاهد شريطه السينمائي لعيش حالة من التخبط والهذيان اللذان يعيشهما بطل الفيلم “آس” الذي يؤدي دوره بإقناع شديد الممثل سليمان بن واري ويرافقه في رحلته نحو المجهول صديقه “لطفي” رجل الشرطة الذي يؤدي دوره الممثل إلياس سالم.

“أبو ليلى” يحيلك منذ الوهلة الأولى أننا في جزائر بداية التسعينات وتفشي ظاهرة الإرهاب التي تستهدف النخبة من صحفيين ومحامين ومثقفين، ينطلق أمين سيدي بومدين من جريمة قتل أحد المحامين من طرف إرهابي يدعى “أبو ليلى”، هذا الأخير يقرر الفرار بعيدا إلى الصحراء وبعيدا عن أعين رجال الأمن الذين قام بقتل أحد أفرادهم في هذه العملية وكان “آس” شاهدا على الجريمة ومنها دخل في دوامة نفسية وأصبح يعيش على وقع صراع نفسي بين الواقع والهذيان والانفعالات، التي تقوده لاحقا لارتكاب جرائم قتل في حق عائلة بأكملها لأنه خيل له أنها حيوانات.

يضعك أمين سيدي بومدين من خلال طرحه في جو عبثي وفضاء مفتوح، ولا يترك أدق التفاصيل رغم طول مدة الفيلم الذي يتجاوز الساعتين وعشر دقائق، ربما يجد البعض الشريط السينمائي طويلا، ولكن للمخرج خياراته ففي النهاية يثبت رؤيته على بعد زماني ومكاني مبني على الانتظار فلا شيء يبدو لك واضحا، والاحتمالات دائما قائمة وكأننا أمام لعبة ومتاهة خيوطها غير واضحة، ويترك كل شيء للنهاية، نهاية يعتقد المتلقي أنه وصل إليها خلال فترات عديدة في الفيلم ولكن يعود بومدين ليتلاعب بالمشاهد من جديد ويحيله لتتمة أخرى  تتسم بالتيهان.

“أبو ليلى” طرح مغاير لظاهرة الإرهاب وآثارها النفسية على رجال الشرطة، فبلغة سينمائية بديعة يرسم أمين خيوط حكايته ويشد جمهوره لأزيد من ساعتين، يتركك تنتظر ويلعب على أعصابك، بأداء تمثيلي مقنع يستند على اشتغال داخلي للمثلين، خاصة بطلا الفيلم غلياس سالم وسليمان بن واري، هذا الأخير وظف تجربته المسرحية واشتغل على نفسه كثيرا ليظهر انفعالاته التي يرصدها المخرج جيدا ويحسن استغلالها ضمن كادر الكاميرا، اضطراب الشخصية عند “آس” وتوجسه من كل شيء وهذيانه الذي لا يتوقف عرف أمين سيدي بومدين ماذا يحتاج منه بالضبط واختار بعناية فائقة شريكه في الفيلم “لطفي” الذي يؤدي دوره إلياس سالم، هذا الأخير يبرع في أي موقف سواء أمام الكاميرا أم خلفها وهو الذي اعتاد على التمثيل والإخراج في نفس الوقت في أفلامه التي يتفق الكل على جودتها، فإلياس سالم يشكل رفقة جيل جديد من السينمائيين انطلاقة بروح مغايرة للسينما الجزائرية سواء من ناحية الطرح أو القيمة الفنية للأعمال.

يشتغل أمين سيدي بومدين كثيرا على الغموض في عمله لا يعطيك كل شيء بسهولة يبقيك في حالة ترقب ماذا يحدث، يدفعك لبذل جهد فكري حتى تمسك خيوط الحكاية فالأمر هنا لا يعدو أن يكون سردا عاديا لأنه يعود دائما لنقطة البداية وكأن كل شيء يدور في ذهن البطل ولا أساس له على أرض الواقع، يقودنا لمرافقة البطلين في رحلتهما للبحث عن الإرهابي “أبو ليلى”، وما حقيقة وجوده أصلا وفراره إلى الصحراء، أم أن طيفه من يسيطر على “آس”؟ أسئلة يتقاسمها المتلقي مع “لطفي” رجل الشرطة الذي يرافق صديقه والشك والخوف لا يفارقانه من “آس” المضطرب والباحث عن الثأر من الإرهابي، وهنا يثير المخرج مسألة مهمة وهي تبعات العشرية السوداء وآثارها المدمرة على رجال الأمن الذين كانوا المستهدف رقم واحد عند الإرهابيين.

يختلق المخرج حكايات هامشية لشخصيات تجد نفسها في قلب القصة الرئيسية، مثل الصحفية التي يرافقها شقيقان في قلب الصحراء يعرفان طبيعة المنطقة وتبحث عن توثيق أشياء عن هذا الفضاء الشاسع ولكن الخوف يستلل إليهم بمجرد سماعهم لأصوات غريبة ليقوموا بتتبع خطوات حيوان غريب، حيوان هو نفسه الذي يطارده “آس” معتقدا بأنه الإرهابي “أبو ليلى” يؤدي دوره حسين بن مختار، ليرديه قتيلا في الأخير فيكتشف أنه ليس إلا فهدا يعيش في كهوف الصحراء ولكن هذيانه صور له أنه  ذئب بشري.

ارتكز الفيلم على مدير التصوير الياباني كانام أونوياما الذي عرف صناعة تفاصيل مهمة في الفيلم وأحسن تصويب كاميرته واستغل الفضاء الصحراوي بذكاء، موظفا الغرائبية بشكل بارع في صناعة تفاصيل الفيلم.

مما لا شك فيه أن المخرج الجزائري الشاب أمين سيدي بومدين رسم طريقه الخاص في عالم السينما، منذ تجاربه الأولى في الأفلام القصيرة، واستطاع أن ينتزع لنفسه رؤيا سينمائية جديدة  تستحق الوقوف عندها مطولا.