شهدت الغرفة السفلى للبرلمان أجواء احتفالية غير مسبوقة يوم المصادقة على مشروع قانون تجريم الاستعمار، في لحظة حملت الكثير من الرمزية السياسية والتاريخية بالنسبة للجزائريين، حيث يمثل القانون خطوة مهمة لإقامة الحجة التاريخية والقانونية على استعمار دام 132 سنة، خلف خلالها مآسي إنسانية عميقة وألحق بالجزائر خسائر جسيمة في الأرواح والممتلكات.
غير أن المشهد داخل الغرفة العليا للبرلمان لم يكن بالزخم ذاته، فرغم مصادقة أعضاء مجلس الأمة بالإجماع على مشروع القانون، إلا أن المجلس صوّت أيضا بالإجماع على تحفظات أقرتها لجنة الدفاع، تمثلت في عدم المصادقة على المواد المتعلقة بالتعويض والاعتذار.
هذه التحفظات أعادت المشروع إلى اللجنة المتساوية الأعضاء بين غرفتي البرلمان، المكلفة بدراسة مقترح قانون تجريم الاستعمار، من أجل صياغة توافقية تنهي حالة الشد والجذب التي رافقت مناقشة 13 مادة كانت محل خلاف.
وصوّت أعضاء اللجنة على صيغة جديدة بعد إعادة ضبط عدد من المواد الحساسة، بما يتماشى مع المرجعية الرسمية للدولة في مقاربة ملف الذاكرة الوطنية.
وقد أسفرت المشاورات المطولة عن تثبيت مبدأ الاعتراف بالجرائم الاستعمارية، مع الإبقاء على التعويض الفردي لفائدة الأشخاص دون الدولة، مقابل إسقاط مطلب الاعتذار الرسمي.
كما تم الإبقاء على جريمة “الاستعباد الجنسي” ضمن الجرائم المعترف بها خلال الفترة الاستعمارية.
مشروع القانون جرِد من جوهره
برزت مواقف نقدية من داخل الأوساط الأكاديمية عقب هذا التغيير والتعديل الذي طرأ على مشروع القانون، حيث عبّر المؤرخ الجزائري، محمد أرزقي فراد عن صدمته وحزنه عقب إلغاء المواد المتعلقة بالتعويض والاعتذار من مشروع القانون، معتبرا أن هاتين المسألتين تمثلان جوهر أي مقاربة قانونية لجرائم الاستعمار، ولا يمكن أن تسقطا بالتقادم.
وفي قراءة لمضمون المشروع خص بها موقع “أوراس“، يرى أرزقي أن حذف تلك المواد يعني تجريد القانون من روحه الأساسية، رغم أن تجريم الاستعمار الفرنسي في حد ذاته يظل خطوة مهمة من الناحية الرمزية والسياسية، سواء داخل الجزائر أو على المستوى الدولي.
كما يلفت إلى مفارقة أخرى في النص، تتمثل في الإبقاء على مواد تتضمن عقوبات موجهة للجزائريين، وهو ما يراه تحولا غير مبرر في فلسفة المشروع، حيث كان من الأجدر – في تقديره – حذف هذه المواد حتى يبقى القانون ذا طابع تاريخي جامع يعبّر عن الذاكرة الوطنية، بدلا من أن يتحول إلى قانون عقوبات يطال الجزائريين أنفسهم.
هذا التحول، في نظر المؤرخ أرزقي، يجعل المشروع أقرب إلى قانون عقوبات مكرر، في حين كان المنتظر أن يشكل قانونا تاريخيا يحتفي به الجزائريون باعتباره خطوة نحو الاعتراف بالجرائم الاستعمارية.
كما أن حماية رموز الدولة الجزائرية منصوص عليها أصلا في القوانين العامة، ما يجعل إدراج عقوبات إضافية في هذا السياق أمرا غير مفهوم.
ولا يخفي المتحدث خيبة أمله من الصيغة الحالية للمشروع، معتبرا أنها بعيدة عن المقترح الأصلي الذي كان قد قدمه قبل نحو خمسة وعشرين عاما، وتحديدا سنة 2001، لما كان نائبا في المجلس الشعبي الوطني، حين طرح فكرة قانون لتجريم الاستعمار يقوم على مبدأ أساسي يتمثل في عدم سقوط جرائم الاستعمار بالتقادم، وحق الأجيال الجزائرية في المطالبة بالتعويض.
وبالنسبة للمؤرخ فراد، فإن حذف مواد التعويض والاعتذار يعني عمليا إفراغ القانون من جوهره، إذ إن مجرد الحديث عن تجريم الاستعمار يستحضر تلقائيا مسألتي الاعتذار والتعويض باعتبارهما جزءا من العدالة التاريخية.
تأثير القانون على العلاقات بين البلدين
وفي ما يتعلق بتداعيات المشروع على العلاقات الجزائرية الفرنسية، يطرح أرزقي مقاربة مختلفة تقوم على أن تجريم الاستعمار يجب أن يفهم أساسا باعتباره مسألة سيادية للدولة الجزائرية، لا ينبغي أن تربط بحسابات دبلوماسية أو بردود فعل فرنسية محتملة.
ويستحضر محدث “أوراس” في هذا السياق تجربة فرنسا نفسها عندما سنّ البرلمان الفرنسي قانون تمجيد الاستعمار 2005، متسائلا ما إذا كان الفرنسيون قد طرحوا آنذاك سؤال تداعيات هذا القانون على علاقاتهم مع الدول التي عانت من الاستعمار.
ومن هذا المنطلق، يرى أن تجريم الاستعمار يجب أن يتعامل معه باعتباره ممارسة سيادية خالصة، تعكس حق الجزائر في توصيف تاريخها وإدانة حقبة استعمارية طويلة، بصرف النظر عن انعكاسات ذلك على العلاقات مع فرنسا.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين