في محاولة جديدة لاحتواء أزمة مواعيد تأشيرة شنغن، أعلنت القنصلية العامة لإسبانيا بالجزائر اعتماد إجراء استثنائي يقضي بتخصيص 20 موعدا يوميا لإيداع طلبات التأشيرة، ابتداء من اليوم الأحد 8 فيفري 2026 إلى غاية يوم الخميس على الساعة 10:30 صباحا، وفق نظام أسبقية الحضور.
وأوضحت القنصلية أن هذا القرار يأتي “حرصا على توسيع نطاق خدمات التأشيرات وضمان إدارتها بشفافية تامة”، في ظل تزايد شكاوى المواطنين من صعوبة، بل استحالة، الحصول على مواعيد عبر القنوات الإلكترونية الرسمية الممثلة في BLS.
كيف يعمل الإجراء الجديد؟
بحسب التفاصيل المعلنة، فإن المواعيد العشرين المخصصة يوميا تمنح حصريا بالحضور الشخصي إلى مقر القنصلية العامة لإسبانيا بالجزائر، دون قبول أي تفويض أو تمثيل عن الغير، مع فرض تقديم جواز السفر الأصلي لطالب التأشيرة، على أن يتطابق مع هوية الشخص الذي سيودع الملف لدى مكتب خدمات التأشيرات (BLS).
ولا يسمح هذا الموعد بإيداع الملف مباشرة داخل القنصلية، بل يمنح صاحبه حق التقدم إلى مكتب (BLS) في يوم العمل الموالي فقط، شريطة أن يكون الملف كاملا ومستوفيا لجميع الوثائق المطلوبة، كما هو منشور في الموقع الرسمي.
وأكدت القنصلية أن احترام ترتيب الوصول سيكون صارما، وأن أي محاولة للتحايل أو إرسال وسطاء سيتم رفضها دون استثناء.
إجراء مؤقت لا يلغي النظام الإلكتروني
شددت القنصلية الإسبانية على أن هذا التدبير مؤقت ولا يعوض الإجراء المعمول به حاليا عبر منصة BLS الإلكترونية، التي ستظل القناة الأساسية والأولوية لحجز المواعيد، في إشارة واضحة إلى أن الحل الجذري للأزمة لم يعتمد بعد.
غير أن هذا التوضيح لم ينجح في تهدئة مخاوف المواطنين، خاصة في ظل التجارب السابقة التي أظهرت محدودية مثل هذه الإجراءات الظرفية أمام شبكات منظمة تتحكم فعليا في سوق المواعيد.
ورغم أن نظام أسبقية الحضور طرح كحل مؤقت لضمان الشفافية، إلا أنه طرح بدوره إشكالات ميدانية جديدة، حيث شهدت محيطات القنصلية العامة لإسبانيا بالجزائر تجمعات كبيرة، مما يسبب فوضى وتدافع ويضطر المواطنون إلى الانتظار لساعات طويلة في ظروف صعبة، وسط غياب تنظيم واضح أو آليات لضبط الطوابير،
“مافيا المواعيد”.. سوق سوداء مفتوحة
تتواصل معاناة آلاف الجزائريين الراغبين في السفر إلى إسبانيا، سواء لأغراض سياحية أو عائلية أو مهنية أو صحية، بسبب اختفاء المواعيد فور فتحها على الموقع الإلكتروني، لتظهر بعد دقائق لدى وسطاء يعرضونها للبيع بأسعار تتراوح بين 500 و1000 يورو للموعد الواحد.
وهذه الظاهرة، التي باتت تعرف بـ”مافيا المواعيد”، وتحولت إلى نشاط مربح لشبكات منظمة، تستغل الثغرات التقنية وضعف الرقابة، وتفرض على المواطنين خيارين أحلاهما مر: الانتظار لأشهر طويلة دون نتيجة، أو الدفع من مدخراتهم الخاصة مقابل موعد يفترض أن يكون مجانيا.
ماذا عن “بي أل أس”؟
في خضم هذه الأزمة، تتزايد الانتقادات الموجهة إلى شركة (BLS International)، المكلفة بإدارة خدمات التأشيرات الإسبانية في الجزائر، حيث يتهمها مواطنون ونشطاء بالتقصير الواضح في حماية نظام الحجز من الاختراق، أو على الأقل بغض الطرف عن نشاط الوسطاء.
كما فتح الموقع الرسمي (BLS) بالتزامن مع قرار القنصلية عدة مواعيد متاحة التي كان من المفروض أنها محجوزة ولا وجود لمواعيد متاحة خلال الشهور القادمة، مما أثار عدة تساؤلات حول مصدر هذه المواعيد المفاجئة، وطريقة فتحها خارج الرزنامة المعلنة، والجهة التي تقف وراء توفيرها في وقت كان يفترض فيه انعدام أي مواعيد متاحة خلال الأشهر القادمة، الأمر الذي عمق الشكوك بشأن شفافية نظام الحجز وآليات تسييره، وأعاد إلى الواجهة فرضيات وجود تلاعب تقني أو تدخلات غير معلنة في إدارة منصة المواعيد.
وكانت (BLS International) قد أعلنت مؤخرا إطلاق حملة توعوية لمكافحة الاحتيال، مؤكدة استثماراتها في الأمن السيبراني وتقنيات كشف التلاعب.
وصرح مديرها الإقليمي لشمال إفريقيا، أميت غانبولي، بأن الشركة تسعى لضمان “وصول عادل وآمن” لخدمات التأشيرات، محذرا من التعامل مع الوسطاء غير المرخصين.
غير أن الواقع الميداني، حسب شهادات متطابقة لمواطنين، يظهر استمرار الاحتكار وبيع المواعيد علنا عبر وسطاء معروفين، ما يجعل هذه التصريحات، في نظر كثيرين، مجرد وعود لم تنعكس فعليا على أرض الواقع.
موقف المجتمع المدني
من جانبه، أكد رئيس المنظمة الجزائرية لحماية المستهلك، مصطفى زبدي، أن أزمة المواعيد الإسبانية لا تزال قائمة رغم كل الإعلانات، مشيرا إلى أن آلاف المواطنين يقعون ضحية استغلال ممنهج.
وأوضح زبدي أن السلطات الإسبانية أوفدت في أكثر من مرة لجان تحقيق إلى الجزائر، غير أن هذه الخطوات لم تسفر عن نتائج ملموسة، حيث بقيت المواعيد تحت سيطرة شبكات منظمة، داعيا إلى إجراءات صارمة وشفافة تشمل المراقبة والمحاسبة وإعادة هيكلة آليات الحجز.
خلفية متجددة لأزمة قديمة
وتعود أزمة التأشيرات الإسبانية في الجزائر إلى سنوات، وقد شهدت في وقت سابق توقيف موظفة إسبانية من أصول مغربية في القنصلية الإسبانية بوهران على خلفية شبهات وصفتها صحيفة “THE OBJECTIVE ” بـ”الأزمة الصامتة” في ملف التأشيرات بين مدريد والجزائر، على خلفية الارتفاع اللافت في نسب رفض طلبات التأشيرة المقدمة من الجزائريين، بشكل اعتبر “منهجيا ومثيرا للاستغراب”.
وتسبب هذا الإجراء، بحسب الصحيفة، في خسائر مالية معتبرة للمسافرين، بسبب حجوزات الطيران والفنادق، وسط غياب أي تفسير رسمي واضح من المصالح القنصلية.
وأفاد متضررون بأنهم تلقوا تبريرات عامة وغامضة تتحدث عن “مشاكل في الملفات”، دون أي إخطار مكتوب أو مسوغ قانوني واضح، ما عمّق حالة الارتباك وفقدان الثقة في منظومة معالجة طلبات التأشيرة.
وبين إجراء مؤقت وآخر، يبقى المواطن الجزائري الحلقة الأضعف في معادلة معقدة، حيث تتجدد الأسئلة حول جدية الإصلاحات، وقدرة الجهات المعنية على كسر احتكار المواعيد ووضع حد نهائي لاستغلال حاجة الناس إلى السفر.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين