span>أعمال شغب أم هبة ثورية؟ ماذا يحدث في فرنسا؟ فيصل إزدارن

أعمال شغب أم هبة ثورية؟ ماذا يحدث في فرنسا؟

تمر خمسة أيام على أعمال الشغب التي اندلعت في العديد من الضواحي والأحياء الشعبية في فرنسا، على خلفية مقتل الشاب نائل على يد شرطي، إثر ملاحقة في الطريق السيار، حيث كان الشاب المرحوم على متن سيارة، مرتكبا مخالفة مرورية أدت إلى مقتله بطلق ناري على مستوى الصدر.

تأجج الوضع في العديد من الأحياء الشعبية والضواحي الحضرية في أرجاء فرنسا لليلة الخامسة على التوالي، بعد مقتل الشاب نائل ذو سبعة عشر ربيعا على يد شرطي مرور، بعدما رفض الإنصياع لتعليمات الشرطي ذاته حسب الرواية الرسمية، وحدث ما لم يكن في الحسبان، حيث أن التسجيل المرئي الأول الذي التقطته كاميرات المارة انتشر كالنار في الهشيم على منصات التواصل الإجتماعي، و جاءت الرواية الرسمية التي كانت حسب البعض منحازة للشرطي، مبررا سلوكه بالدفاع عن النفس، وأن الشاب كان مهددا تجاهه.

ثم بعد ذلك يأتي تسجيل ثان ليفند مزاعم الرواية الرسمية وقد سجلت الحادث من زاوية مختلفة أين نرى الشرطي يطلق النار على الصبي قبل انطلاق السيارة، وهنا خرج الوضع عن السيطرة، ما دفع برئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون خلال زيارة ميدانية قادته إلى مدينة مارسيليا وضواحيها، يرمي بكل ثقله في القضية، ليعبر عن استيائه من الحادثة و يصفها “بالعمل غير المفهوم وغير المعذور”، محاولا التهدئة وقطع دابر التصعيد على أرض الواقع، وكلف وزير الداخلية بموافاته بتقارير دورية عن الوضع خلال مجلس الوزراء الأخير.

أحداث توقظ أشباح الماضي

آخر أحداث عنف و دشغب عرفتها فرنسا تعود إلى 2005، عندما اندلعت أعمال عنف على خلفية مقتل الشابين زياد وبونة في ظروف مأساوية بصعق كهربائي بعد مطاردة بوليسية لهما، وكان الحادث كالنار في الهشيم.

للوهلة الأولى قد يقول قائل إن هذه الأحداث بمثابة ردة فعل لحادثة القتل، ولكن الأمر أعمق واعقد مما نعتقد، فالكثير من المنتخبين المحليين وفاعلين في المجتمع المدني والجمعيات الأهلية التي تنشط باستمرار في هذه الضواحي كانوا قد نبهوا مرارا و تكرارا إلى اندلاع مثل هذه الأعمال منذ أمد بعيد، فرئيس بلدية تراب (Trappes) السيد علي رابح، يقول إن أعمال الشغب تعود بالنكسة كما هو منتظر بعواقب وخيمة على سكان هذه الضواحي، فئات فقيرة وهشة تقطن في هذه الأحياء فالمدارس التي احترقت والمرافق الاجتماعية والثقافية من مصحات ومكتبات ودور الشباب وقاعات الرياضة التي استثمرت فيها الدولة بأموال الخزينة لن يستطيع سكان هذه الضواحي من الإستفادة منها مرة أخرى.

ووفق تعبير العمدة ذاته، غيطوهات الفقراء هي التي تتضرر من هذه الأعمال، أما غيطوهات الأثرياء فهي بعيدة كل البعد عن هذه الأحداث وفي أمان كامل.

الرئيس ماكرون بين التهدئة والصرامة

صرح الرئيس إيمانويل ماكرون بأن “مقتل الشاب نائل عمل غير مفهوم وغير معذور، فلا شيء يبرر موت شاب قاصر”.

ما أقدم عليه ماكرون هو محاولة استباقية للتهدئة واتقاء أحداث العنف في الأيام المقبلة، لكن ذلك لم يكف، لأن أحداث الشغب التي حدثت كانت عنيفة جدا ومكلفة للخزينة وللسكان القاطنين في هذه الأحياء، والسر في ذلك هو أن هشاشة الوضع الاجتماعي جراء الاحتجاجات بعد إقرار قانون التقاعد (حركة السترات الصفراء، وانخراط منظمات البيئية وراديكاليتها في الاحتجاجات) هو الذي سهل من اندلاع هذه الأحداث، والحكومة واعية بذلك وكان التخوف من استنساخ أحداث مشابهة عرفتها الضواحي والأحياء الشعبية في فرنسا سنة 2005 بعد مقتل الشابين زياد وبونة، ولكن هو ما حدث فعلا وبنبرة أكبر.

ما يمكن ملاحظته هو عدم وجود اختلاف في الخطاب الرسمي للحكم على الأحداث بين ما حدث في 2005 وما يحدث اليوم، و هذا سيكرس المعضلة ولن يكون لها حلا ناجعا طالما نظرة السياسيين لم تتغير تجاه لب المشكل.

الطبقة السياسية بين تباين في المواقف واتفاق على التأجيج

منذ الساعات الأولى من مقتل الشاب نائل، تعالت أصوات الأحزاب السياسية بين مندد للحادثة والتضامن مع عائلة الفقيد، وبين مؤيد للشرطي القاتل وعائلته.

فاليمين المتطرف بكل أطيافه قد ألقى اللوم على الضحية وأعلن مساندته المطلقة للشرطي، محاولا ربط ما حدث مع مشكلة الهجرة والمهاجرون والأجانب، متجاهلا في ذلك مشكلة العنصرية البنيوية في المجتمع الفرنسي، ونافيا لأي حديث عن الفوارق الاجتماعية واتساع الهوة السحيقة بين الأحياء الفقيرة والثرية.

بالنسبة لليمين، فأمره أدهى لأننا لاحظنا تباينا واضحا وملفتا للنظر بين شخصيات في حزب الجمهوريين (Les Républicains) بين مؤيد للشرطي واستنكاره لأحداث الشغب ومتضامن مع عائلة الفقيد.

أما بالنسبة لليسار واليسار المتشدد؛ فموقفه متضامن مع عالة الشاب نائل ومندد لما حدث، وأبدى مطالبته بإعادة النظر أو إلغاء قانون تقوية الأمن الداخلي الذي تم إقراره في أكتوبر 2017، والذي يعطي ضمانات وحرية أكثر لأعوان الأمن في استعمال السلاح، ويندد بتصاعد موجة العنف الشرطي واصطفاف الحكومة وراء المؤسسات الأمنية، ويؤكد على وجود العنصرية في التعامل في صفوف الشرطة والأسلاك الأمنية الأخرى.

و لكن ما يجمع عليه كل هؤلاء هو أن مواقفهم تأجج من الوضع و لا تخدم محاولات التهدئة التي يدعو إليها العقلاء.

مآلات الأحداث

يقول المفكر والأديب الفرنسي فيكتور هوغو (Victor Hugo): “إن جوهر الشغب الثوري، الذي لا ينبغي الخلط بينه وبين أنواع الشغب الأخرى، هو أن تكون دائما خاطئة من حيث الشكل والصواب من حيث الجوهر”.

إن هذه الأحداث تعيد إلى الواجهة لا محالة المعضلات التي يعاني منها سكان الضواحي والأحياء الفقيرة، ألا وهي العنصرية والتمييز والتنمية المحلية والعنف الشرطي والحل الكل الأمني.

لأن حسب الإحصائيات المتداولة فالشاب القاطن في هذه الأحياء يتعرض للتفتيش الشرطي 20 ضعف من غيره، وشاب من أربعة يتعرض للتمييز في البحث عن عمل أو تكوين.

فالمشكلة عميقة و بنيوية والأدهى والأمر تستمر الدوائر الرسمية والسياسية في تجاهل الأمر وتقديم حلول ترقيعية لمشاكل هيكلية.

طالما لم تنظر الجهات الرسمية إلى المشكلة بعمق وبتبصر كبيرين، قد تهدأ الأمور وتعود المياه إلى مجاريها بعد فترة وسيستتب الأمن، ويعود الناس إلى حياتهم العادية، وستباشر الجهات المعنية أعمال الإصلاح وإعادة بناء ما تم تخريبه وستصرف الأموال من الخزينة العمومية.

لكن سيستمر مشكل العنصرية والتمييز والعنف الشرطي ينخر النسيج الاجتماعي الفرنسي، وارتدادات الأعمال القادمة ستكون أعنف وأشد.

فيصل إزدارن

دكتور باحث في علم الاجتماع السياسي - باريس

شاركنا رأيك