الرئيسية » تحقيقات وتقارير » أغنية “الراي”.. من تجاذبات السياسة والمجتمع إلى الصراع بين الجزائر والمغرب

أغنية “الراي”.. من تجاذبات السياسة والمجتمع إلى الصراع بين الجزائر والمغرب

أغنية "الراي".. من تجاذبات السياسة والمجتمع إلى الصراع بين الجزائر والمغرب

لطالما كانت أغنية “الراي” ناطقا رسميا باسم الهامش والمسكوت عنه، كما سايرت مراحل عديدة من التجاذبات السياسية في الجزائر، ناهيك عن نظرة دونية اتجاهها لكن هذا النوع الموسيقى ارتبط في ذهن الجهات الرسمية كما الشعبية بصورة نمطية تجذرت بأحكام أخلاقية سيئة اتجاه هذا الفن.

“الراي” صار يشكل صراعا سياسيا خارجيا بين الجزائر والمغرب، من خلال التسابق لتصنيفه كتراث شعبي في منظمة اليونيسكو، وسط مجموعة من التطورات جعلت الجزائر تسحب الملف من المنظمة الدولة الذي كانت قد أودعته سنة 2016، بحجة ضعفه.

في ظل تراجع اهتمام الدولة الجزائرية ممثلة في الوزارة الوصية بأغنية الراي ومهرجان الراي بالخصوص الذي كان في وقت مضى ينظم في ولاية وهران وحظي بنجاح واهتمام كبيرين، قبل أن يخفت بريقه نوعا بعد تحويله إلى ولاية سيدي بلعباس، ومع هذا التراجع ظهر في المغرب مهرجان وجدة لأغنية الراي وصار يستضيف ألمع نجوم الأغنية الرايوية في الجزائر مع تعزيزها بأصوات جزائرية موجودة أصلا في المغرب في صورة الشاب خالد ورضا الطالياني.

مهرجان وجدة استطاع أن يغطي مهرجان سيدي بلعباس نظرا لما يوليه النظام الملكي في المغرب لهذا المهرجان، حيث يرقى إلى تظاهرة دولية، وحصل على الرعاية الرسمية للملك محمد السادس.

الراي قصيدة قبل أن تكون أغنية

يعود الصحفي والكاتب سعيد خطيبي إلى أصل موسيقى الراي، ويكشف أن منبعها في الشّعر الملحون في الغرب الجزائري، معتبرا أنّ الرّاي قصيدة قبل أن يكون أغنية، فالشّعر الملحون يقوم بالأساس على الأداء، على الإلقاء، على مسرحة الشّعر، وكان النّاس يحفظون القصائد شفوياً، قبل أن تدوّن في وقت لاحق، كما يعود الرّاي إلى شعر لخضر بن خلوف ومصطفى بن براهيم والشّيخ الميلود وعبد القادر الخالدي ومن تلاهم من شعراء، قبل أن تدخل على تلك الأشعار الآلات وتؤدّى من طرف مغنيِّين، بدءا من الشّيخ حمادة، ثم توسّعه وصولاً إلى الشّيخة الرّيميتي، التي قادت أوّل ثورة في تطوير الرّاي كلمات وأداءً.

ويقول خطيبي: “لكن قد نصطدم بإشكالية التّسمية، ما هو الاسم الحقيقي لهذا اللون الغنائي؟ كلمة “راي” لم تأت سوى متأخّرة، على لسان الرّيميتي، ولم تتكرّس سوى في سبعينيات القرن الماضي، تسمية ذات غرض تجاري، فقبلها كان يسمى “البدوي” ثم الوهراني.”

 ويضيف خطيبي: “إن اختصاره في كلمة “راي” قد ينجر عنه نسف إرث السّابقين وخنقه في إطار زمني يبدأ من السّبعينيات، فقبل أن يسمى “راي” سميّ لفترة وجيزة “بوب راي” تماشياً مع موجة موسيقى البوب حينذاك. أظن أننا – في الشقّ الأكاديمي – بحاجة إلى إعادة صيغة كلمة أكثر دقّة في تعريف الراي.”

من جهته يوضح الباحث في أغنية الراي الحاج ملياني، أن هذا النوع الموسيقي الذي يتكلم عنه الناس ظهر سنة 1975 وسمي “بوب راي”، ويعتمد أساليب عصرية في الموسيقى تشبه الروك، مضيفا أن الأسطوانات الأولى كانت للشاب خالد، أما الراي في بعده التاريخي يقول ملياني: “البعد التاريخي للراي بدأ مع الشعر الملحون والبدوي وقليل من الأندلسي كما أنه مستمد من غناء المدّاحات، ويمكن القول أنّ منبعه الحقيقي هو البدوي والمداحات.”

الراي وجدلية السياسة  

هل للراي تاريخ سياسي؟ يجيب سعيد خطيبي صاحب كتاب “أعراس النار.. قصة الراي”، أنه بكلّ تأكيد للرّاي تاريخ سيّاسي، لأنه عانى من المنع في السّنوات الأولى من الاستقلال، وكان ينظر إليه كفنّ مارق، خارج عن التقاليد، من منظور من كانوا يريدون حصر الجزائر في خانة العادات والتّقاليد.

ويضيف خطيبي أنه لم يكن الرّاي من تلك الأنواع الغنائية التي تمتدح الحاكم وخصاله، ولم يكن يذمّه أيضاً، بل كان مشغولاً في مديح الجسد والحبّ والسّهر والشّرب، وكلّ ما يغرق فيه الهامش، أو تلك الطّبقة المعتمة من المجتمع، لكن منتصف الثمانينات، بينما الجزائر تموج في تداعيات الرّبيع الأمازيغي، وتشهد قلقاً داخليا، نجم عنه صعود أغنية سياسيّة، تارة ساخرة وتارة ناقدة بحدّة، أعادت السّلطة النظر في علاقتها بالراي، وسمحت له بالخروج إلى النّور قصد كبح انتشار الأغنية السّياسية الملتزمة.

وبخصوص السياقات السياسية والاجتماعية لأغنية الراي، واستغلالها سياسيا في مراحل مختلفة من تاريخ الجزائر، يؤكد الحاج ملياني أن الراي لم يكن أبدا سياسيا، وجل مطربي الراي تناولوا المواضيع الاجتماعية والعاطفية في المقام الأول، لأن اهتماماتهم صبت على واقعهم الاجتماعي عكس بعض الطبوع الأخرى.

ويرى ملياني أن قوة الراي في عدم امتلاكه خطابا سياسيا واهتمامه بواقع الناس البسطاء، مشيرا إلى أنّ أغنية الراي الاجتماعية ترعب السلطة أكثر من الخطاب السياسي.

وحول استغلال الراي سياسيا، يقول الحاج ملياني: “الاستخدام السياسي للموسيقى ليس مقتصرا على الراي فقط، مثلما يتم الترويج له، إنما كل الفنون تم استغلالها ولكن كثيرون يركزون على الراي فقط.

أصل الراي.. صراع الجزائر والمغرب

يوضح سعيد خطيبي أنه هناك نقطة يجب أن نتوقف عندها، وهي أن الرّاي على عكس كل الأنماط الموسيقية الأخرى في الجزائر، لم يكتف بمحليّته، بل سعى دائماً إلى تجديد نفسه، متأثراً بما يحصل في الخارج، حيث تأثر مغنو السبعينيات بـ”البيتلز”، كما تأثروا بالمغربي، ممثلاً في ثلاث فرق شهيرة هي (ناس الغيوان وجيل جلالة ولمشاهب)، كما أن الشّاب خالد نفسه لا يفوِّت فرصة دون ذكر فضلهم عليه.

ويضيف خطيبي أن الرّاي هو محصلة جملة من التأثيرات الخارجية، في الآلات أيضاً، فقد رافقته في السبعينيات، فترة صعوده، “الترومبات” التي أدخلها العازف مسعود بلمو، وهي آلة قادمة من شمال المتوسط وليست آلة جزائرية، فبعدما وُلد هذا الفنّ غرب الجزائر، كبر وسافر وتجوّل، وتلك عادة الموسيقى إجمالاً.

وتأسف الدكتور الحاج ملياني لكون الجزائر لم تحسن الإشتغال على تراثها الموسيقى، قائلا: “الكثير من الناس في دول العالم عرفوا الجزائر عن طريق الشاب خالد، يعني بفضل موسيقى الراي، في حين أن مهرجان الراي الذي كان ينظم في وهران وكنت محافظا عليه تم تحويله إلى سيدي بلعباس وفقد بريقه بعدها.”

ويقارن الحاج ملياني بين “مهرجان الراي” في سيدي بلعباس و “مهرجان الراي” في وجدة المغربية، وكيف تهتم السلطات المغربية بهذا الموعد الموسيقي الذي صار تحت الرعاية الملكية لمحمد السادس، في حين يعرف مهرجان سيدي بلعباس تراجعا كبيرا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.