الرئيسية » مقالات الرأي » أيها العرب لا تجرّموا “ينّاير”

أيها العرب لا تجرّموا “ينّاير”

كان والدي رحمه الله يحب “الناير” وهو عادة اكتسبها من والده عن جده، كان يجلب لنا ما لذّ وطاب من مكسرات وحلويات.

لم يكن هذا اليوم عاديا أبدا، فقد كانت العائلة كاملة تجتمع عند جدتي “الفقيرة عيشة” رحمها الله، فهي كانت تتولى جمع “الغِلال” لتضعها على وعاء كبير كُنّا نسميه “الميدونة” أو “الطبڤ”.

كان الأطفال يتحلّقون حول الجدة، يترقبون ما أحضر الأعمام والأخوال، وأعينهم على القطعة الأفضل والفاكهة الأكبر، كانوا يرجون ملء “الزوّادة” بأفضل ما يمكن وأكثر ما يُحتمل.

آه نعم! ، الزوّادة؟ إنها كيس من قماش قد يصل حجم الذراع أو نصفه، تُصنع في المنازل من الملابس الرثة البالية، وتُخاط بإحكام ويُجعل لها حزاما يُحكم إغلاقها. إنها كبيرة بما يكفي لجمع حبات من اللوز والجوز والبندق وبعض الحلويات وربما حبة رمان ونحوها.

أسعد لحظات “الناير” أن تبيت الزوّادة حبلى بالملذّات وأن لا يُفقع بطنها ولا ينزل حملها، وكلما حافظت عليها سمينة طابت لك تلك الليلة، وستتفرغ حينها للحصول على مزيد من المكسرات والحلويات من الأعمام والأخوال، فأيديهم ليست مغلولة كما الأقران، وبعض التوسل يحقق لك المراد وزيادة.

لم أكن أسمع حينها بششناق ولا بفراعنة، لم يقل لي أحد أن هذه عادة بربرية، ولم يربطها بموسم فلاحي ولا طقس هندوسي، كانت عادة جميلة فحسب، نجتمع ونفرح ونفترق على ما حملت أيدينا من “زوّادات” سمينة.

الآن، وقد بلغت من الكبر مبلغا، أشعر بين أضلاعي بولاء تام لتلك العادة، وبحنين شجيّ لتلك اللحظة، وبرغبة شديدة في نقل “الناير” إلى أبنائي وأحفادي، فلا جُرم ارتكبت ولا دينا حرّفت، بل هو موروث شعبي أشعر بواجبي في الحفاظ عليه.

عبد القادر بن خالد