الرئيسية » مقالات الرأي » أيهما أولا الدستور أم البرلمان؟

أيهما أولا الدستور أم البرلمان؟

إلى جانب النقاش الدائر حول مضمون مسودة الدستور الجديد، هناك نقاش آخر يتعلق بالمسار الذي يؤدي إليه، وتحديدا علاقته بالمؤسسة التشريعية الحالية، إذ يبدو أن السلطة تريد أن يناقش الدستور في هذا البرلمان وبعده يمر على الاستفتاء الشعبي، بينما يشير فاعلون سياسيون آخرون إلى ضرورة أن يناقش الدستور الجديد في غير هذا البرلمان.

تقر السلطة السياسية بضرورة حل البرلمان وعدم اتمام عهدته التي تنتهي في 2022، ولكنها تختلف في التوقيت، وهي تنطلق من مبدأ “استقرار مؤسسات الدولة” وتضع نصب عينيها هاجس “الفراغ الدستوري” على هذا الأساس ترى أنه بعد الانتهاء من مسألة الدستور يكون من الطبيعي حينها حل البرلمان وكل المجالس المنتخبة، واجراء انتخابات جديدة في ظل وضع مستقر، وكان مبرمجا أن يتم كل هذا خلال السنة الجارية، والتأخير خارج عن إرادتها، بدليل اضطرارها لتأجيل طرح مسودة الدستور رغم أنها كانت جاهزة كما أشار إلى ذلك رئيس الجمهورية.

هواجس السلطة السياسية هذه يمكن تفهمها وتفسيرها أو حتى تبريرها عندما عزمت على اجراء الانتخابات الرئاسية رغم أنه كان بالإمكان اجراؤها بصيغة أحسن ضمن الأطر الدستورية، وقد طرحت يومها العديد من المبادرات التي أوجدت مخارج للأزمة دون الذهاب بالضرورة إلى جمعية تأسيسية.

وبغض النظر عن ما سبق فإن مؤسسات الدولة قد تجاوزت خطر الفراغ الدستوري وعدم الاستقرار المؤسسي بعد انتخاب رئيس الجمهورية، وبالتالي فإن تصلب السلطة في موضوع حل البرلمان قبل الدستور الجديد ليس له مبررات مقنعة، بل على العكس فإن تجديد الحياة السياسية يقتضي بيئة مناسبة لتلك الحياة، ومن أهمها أن ينبثق الدستور الجديد عن برلمان مختلف في تركيبته تفرزه انتخابات حرة ونزيهة من أبرز مؤشراتها اعتماد الأحزاب الجديدة التي أعقبت الحراك الشعبي، لأن أول طعن في هذا الدستور مروره على برلمان هناك إقرار شبه عام بعدم شرعيته ومشروعيته، فضلا عن كونه صيغ من طرف لجنة معينة، كما أن أعضاء البرلمان الحالي لا يمكنهم اقتراح تعديلات جوهرية يدركون يقينا أنها ستدفع بهم خارج الحياة السياسية، وكل ما يحسنونه هو تبرير وتمرير ما تريده السلطة لتأكيد ولائهم لها وعدم استغنائها عنهم، ولعل في الترخيص لحزبي التجمع الوطني الديمقراطي وجبهة التحرير الوطني عقد مؤتمريهما الاستثنائيين بشكل متزامن في هذه الظروف التي شددت فيها الحكومة اجراءات الوقاية من وباء كورونا مؤشر على العلاقة الوظيفية بين الطرفين.

يمكن للسلطة السياسية أن تستمر في برنامجها المسطر وتمرر الدستور ثم الانتخابات بالطريقة التي تريدها وتراها مناسبة كما حصل مع الانتخابات الرئاسية، ولكنها جميعها ستسجل في الذاكرة المجتمعية وستتراكم مع مثيلاتها خاصة عندما يتيقن النظام السياسي أنه يمتلك من أدوات الإكراه و(الاقناع) ما يتيح له ذلك حتى يصل إلى نقطة الذروة وحينها يتحرك المجتمع مرة ثالثة باحثا عن مستقبل أفضل يأمله، وتضيع السلطة فرصة أخرى للتغيير وتدخل الدولة في مخاطرة غير مأمونة تماما مثلما حصل مع التجارب السابقة، وتصدق مقولة “التاريخ يعيد نفسه” حين يأبى السياسي أن يستفيد من دروسه.

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.