الرئيسية » مقالات الرأي » إجراءات التخفيف بين المخاطر الصحية والتكلفة الاقتصادية

إجراءات التخفيف بين المخاطر الصحية والتكلفة الاقتصادية

تفاجأ الجزائريون بقرار الوزير الأول، السماح بعودة بعض الأنشطة التجارية خاصة وأنه ترافق مع تسجيل ارتفاع في حالات الإصابة بفيروس كورنا، وبذلك انقسمت الآراء بين مؤيد للقرارات على اعتبار البعد الاقتصادي، وآخر رافض لها استنادا على المخاطر الصحية.

مبررات المؤيدين للقرار تكمن في الكلفة الاقتصادية الكبيرة التي يتحمل أعباءها المواطن الذي يعتمد على مداخيل عمله اليومي؛ سواء كان تاجرا، أو عاملا بسيطا، أو حرفيا، أو غيره، وهؤلاء تضرروا كثيرا من الحجر الصحي الذي جعلهم غير قادرين عن تلبية حاجيات عوائلهم، كما أن السلطة عجزت عن توفير ما يسدون به رمق يومهم فضلا عن تعويضهم بعد نهاية الوباء، وحتى منحة العشرة آلاف دينار جزائري التي أقرها رئيس الجمهورية لصالح المتضررين من إجراءات الحجر الصحي على زهادتها، رافق عملية إحصاء المواطنين وتوزيعها عليهم طوابير طويلة وحشود تساهم في انتشار الوباء بشكل أكبر واشتباكات كادت تتحول لعنف. وكثير منهم يعتقد أن الرافضين لهذه القرارات هم الموظفون الذين يتقاضون رواتبهم، ويتمتعون بعطلة طويلة لذلك من مصلحتهم استمرار الحجر الصحي.

الرأي الآخر الرافض للقرارات يقر بالمشكلات التي تواجه المتضررين من الحجر الصحي، لكنه يجادل بأن ذلك يبقى أقل من أخطار انتشار الوباء بسبب الرفع الجزئي أو الكلي للحجر الصحي، لأن التكلفة ستكون مضاعفة نظرا لضعف المنظومة الصحية الوطنية التي ستنهار بشكل سريع، وأنه منوط بالحكومة التكفل الحقيقي بالمتضررين، إضافة إلى دور المجتمع المدني المساند من خلال جمع التبرعات وتوزيعها، ومن حججهم أيضا أن الشروط التي أرفقتها الحكومة بقرار فتح المحلات لن يلتزم بها إلا القليل من التجار، وحتى إن فعلوا ذلك فسيقابلون باستهتار من طرف المواطنين غير المبالين، وكان على السلطة عدم فسح المجال لهم أكثر لأن الكارثة عندما تحل ستشمل الجميع.

يستند كل رأي على حجج موضوعية والتوفيق بينهما يجعل المسؤولية تنقسم بين السلطة والمجتمع على حد سواء. وإذا كانت دول متطورة ومستقرة سياسيا واجهت صعوبات كبيرة في إدارة هذه الأزمة فإنه في الحالة الجزائرية والتي يعاني فيها النظام السياسي من اختلالات كبيرة سواء بحكم السياق الانتقالي الذي تعيشه البلاد الناجم عن الحراك الشعبي، أو بفعل تركة العقدين السابقين، وحتى ما قبل ذلك من أزمات تتصل ببنية الدولة منذ عشية الاستقلال، كل هذا يقتضي التسليم بأن الأداء السياسي لن يكون بالكفاءة المطلوبة، وبالتالي التكاثف والتعاون للخروج بأقل الأضرار.

وبالرجوع إلى قرار الترخيص لعودة بعض الأنشطة للعمل يلاحظ أن جلها لن يحدث فارقا كبيرا مقارنة بالوضع السابق، لأنه الكثير من المواطنين لم يلتزموا بالإجراءات الوقائية ما عدا الحجر الجزئي أو الكلي الذي فرض عليهم بقوة القانون. وباستثناء المحلات الكبيرة المتخصصة في بيع الملابس، والأواني، وسيارات الأجرة، فإن النشاطات الأخرى لا توجد فيها مخاطر كبيرة لانتقال العدوى، على غرار محلات بيع الأجهزة الكهرومنزلية، والأجهزة الإلكترونية، وبيع الخردوات والعقاقير، وغيرها، هذا فضلا عن أن بعض سائقي سيارات الأجرة كانوا بدافع الحاجة والاضطرار يعملون بطريقة غير قانونية، وبالتالي عند الموازنة بين المخاطر الصحية والتكلفة الاقتصادية فإن القرار الحكومي عقلاني، خاصة وأنه من ناحية أخرى اتسم بالمرونة بتركه المجال للسلطة المحلية لتقدير المخاطر الصحية وتطبيق الإجراءاتِ اللازمة.

المسؤولية المجتمعية تبرزها بعض المظاهر التي يتحمل فيها المواطن المسؤولية الكاملة، ومنها الاقبال الكبير جدا على محلات بيع “الزلابية” دون مراعاة لأدنى شروط الوقاية، والأمر نفسه ينطبق على محلات الألبسة، والأواني، والحلاقة، وغيرها، والتي يمكن تفهم جزئيا الإقبال الكبير عليها ولكن لا يُبرر ذلك إطلاقا مقارنة بحجم المخاطر، في هذا الجانب يمكن لمؤسسات الدولة على المستوى المحلي أيضا مراقبة المخالفين لشروط الوقاية ومعاقبتهم بغلق محلاتهم، وغيرها من الإجراءات، ولكن يبقى هذا نظريا أما عمليا فالأمر في غاية الصعوبة، ولا يستبعد حصول مشادات قد تتطور إلى أعمال عنف في ظل الضغط الذي يعاني منه الجميع.

ولعل الدروس التي يجب الاستفادة منها من هذا الوباء مستقبلا، تكمن في إعادة النظر في الكثير من المواضيع والتشخيص الدقيق للمشكلات، لأن الجائحة كانت بمثابة اختبار للدولة حكومة وشعبا، فالهيئات الإدارية وقعت في أخطاء كثيرة، والتسيير بالذهنية الاشتراكية يجب تجاوزه، وإحصاء المواطنين وظروفهم المعيشية وغيرها يجب أن يكون دوريا ومرقمنا، والمجتمع المدني الحقيقي الذي يستحق الدعم هو الذي وقف في مختلف المجالات مساندا لعمل مؤسسات الدولة طيلة الأزمة، وليس  التجمعات الانتهازية الموسمية التي تقوم ببعض الوظائف للسلطة مقابل المكاسب التي تُحصّلها منها، وغيرها من القضايا التي تحتاج إلى حلول جذرية.

يبقى في الأخير مبدأ المتابعة والمراجعة هو الأساس، فإذا تأكد أن تزايد حالات الإصابة له علاقة مباشرة بإجراءات التخفيف المتخذة، وأن الشروط التي وضعتها الحكومة لم تثبت نجاعتها، فلابد من التراجع عن تلك القرارات والعودة للوضع السابق أو حتى تشديده أكثر إذا اقتضت الضرورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.