الرئيسية » مقالات الرأي » “إحكيلي” لماريان خوري.. إحكي حكاية عن الهوية والجذور والهواجس

“إحكيلي” لماريان خوري.. إحكي حكاية عن الهوية والجذور والهواجس

من الصعوبة بمكان أن تملك مادة فيلمية كبيرة تكونت طيلة تسعة سنوات كاملة، فتنوي ترجمتها في عمل وثائقي غير تقليدي تكسر فيه الحاجز بين التسجيلي والروائي وتترك أحيانا الكاميرا تتكلم وأحيانا أخرى وفق نسق مرسوم بعناية.

قصص وحكايا تتجمع تحت سقف واحد، داخل نص يشكّل الداعم الأساسي لقصة عائلة، فالأمر هنا ليس سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي بل القصص تتداخل وتسير دون أن تلتقط أنفاسها، والحكاية تتشابك بين الأم والجدة والبنت والعائلة بصفة عامة، فماريان خوري بفيلمها “احكيلي” المتوج بجائزة الجمهور في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته 41، جزء من الكل، فالمجال أوسع والفضاء أرحب للحكاية.

ماريان خوري أثناء تقديمها للفيلم

ماريان خوري أثناء تقديمها للفيلم

لا تكتفي ماريان خوري برصد كيف تعيش عائلتها الكبيرة والصغيرة، بل تذهب لتتبع الصدى في دواخلنا ودواخلها ومدى تأثير ذلك على حياتها وحياة ابنتها، كان يمكنها أن تكتفي بسيرة ذاتية عادية ولكنها تنتقل من الجزء إلى الكل، فتصعب الأمر عليها وتسهله علينا، تضعنا أمام تفاصيل حياتية بعضها معلوم والآخر مجهول من عائلتها، يوسف شاهين الذي نعرفه جيدا عبر أفلامه ولكن الجانب الشخصي والعاطفي من حياة “جو” وعلاقته المتينة بعائلته وبشقيقته “أم ماريان” والمتوترة بوالدها “جان خوري” الموزع السينمائي الذي كان من الأوائل الذين وزعوا الأفلام في الجزائر وتونس والمغرب.

تحمل ماريان خوري الكاميرا وبتكثيف بصري تسرد وترصد في الآن ذاته جوانب حياتية، تتكئ تارة على أرشيف قديم مصور بين الفيديو والصورة وتنتقل بين الماضي القريب والبعيد، وبشاعرية تعيشنا في تفاصيل حياة عائلتها، كيف كانت والدتها؟ كيف يتحدث يوسف شاهين “خالها” عن العائلة ووالدتها بالخصوص؟ علاقتها بابنتها التي يدور بينهما حوار مسجل بالموبايل، تقول ماريان أنها اقتنصت تلك اللحظات التي رأتها مناسبة فالمخرج يعرف متى يصوب كاميرته جيدا ويختار الوقت المناسب لذلك.

تدفع ماريان خوري المشاهد لعيش تلك اللحظات والتفاصيل وتجعله فاعلا لا ملاحظا فقط، فالشاعرية في العمل تبرز بشكل جلي متخطية الحدود بين الروائي والتسجيلي، نحن أمام حالات مختلفة تكسر الحواجز والقواعد الفنية ما خدم الفيلم بشكل أو بآخر، المخرجة أحيانا وراء الكاميرا وأحيانا أمامها، تتأرجح بين محيطها وحياتها الشخصية، ترصد كيف عاش أهلها وكيف تعيش هي وابنتها، تقف على خط رفيع بين الماضي البعيد والقريب وتلعب على هذا الوتر جيدا، تجابه خيباتها لتتعلم منها وحتى لا تكرر نفس الخطأ على الأقل مع أبنائها، فبينها وبينهم لا توجد قيود فالحرية عند ماريان خوري شيء مقدس وربما يعكس ثقافتها في الوجود.

الجدة والأم والبنت والعائلة.. قصص ملهمة

يوسف شاهين خال ماريان خوري

يوسف شاهين خال ماريان خوري

تجد المخرجة ماريان خوري نفسها وسط حكاية وليست راوية فقط، فالكل هنا يسرد وقائع جرت وتجري، يوسف شاهين يتحدث عن علاقته مع أمها وجدتها، فالمرأة هنا مقدرة وهي عصب العائلة، “جو” يسهب في الحديث عن والدة ماريان خوري ويصفها بالذكية ويستغرب كيف أنها لم تدخل مجال الفن رغم أنها صادقت ممثلات كبيرات، يعود جو للحديث عن زوج شقيقته “جان خوري” الموزع الموسيقي الذي ساعده في بداياته ليختلفا في الأخير وتتوتر علاقتهما، تركز ماريان خوري كاميرتها كثيرا على “جو” ولكن بذكاء فهو أحد أعصاب العائلة كما أنها تستعين في فيلمها على مادة أرشيفية من بعض أفلامه خاصة الأفلام النسائية التي نقل في بعضها وقائع حياتية حقيقية تتعرض بصورة أو بأخرى لحياة شقيقته، جوانب تعكس علاقة يوسف شاهين بعائلته، وهو ما لعبت عليه المخرجة جيدا، بعيدا عن مسار شاهين كمخرج ففي النهاية تحاول أن لا تتخندق في محور شاهين رغم أنه أحد عناصر الحكاية ولكنه جزء فقط من قصة عائلة تعيش للسينما وبالسينما، فهذا الفن يشكل عصب عائلة خوري وهو ما تبرزه ماريان من خلال قصة ابنتها التي تذهب لدراسة السينما في كوبا وكذلك شقيقها غابي خوري الموزع السينمائي.

هواجس المخرجة تظهر جليا في الشريط السينمائي وعبر صور عديدة، هاجس نظيره القوة والإصرار على مقاومة المرض، والأبناء أكبر سند لها في محنتها، وكأن التاريخ يعيد نفسه فماريان التي وقفت مع والدتها في مرحلة صعبة من حياتها نفس الأمر يتكرر مع ابنتها التي رافقتها طيلة رحلتها المرضية وقيامها بعملية جراحية لاستئصال الورم السرطاني، الجمل الحوارية بين ماريان وابنتها ملهمة فانعكاس شخصية الأم بارز على البنت التي تختار السينما في الأخير وتصوّر العائلة طوال الوقت مثل والدتها، تقول ماريان خوري: ” ابنتي تحضر جزءا من العمل وتتحداني بكونه سوف يكون جيدا”.

يظهر من خلال الفيلم أن المخرجة صورت مادتها على امتداد سنوات ما يجعل المونتاج أصعب المراحل في العمل وأهمها أيضا للحفاظ على خصوصية العائلة، فالفيلم مركب ومن الصعب اختصار 100 عام في فيلم مدته 95 دقيقة، تقول ماريان خوري: ” الفيلم لم يكن به سيناريو محدد تمت كتابته، فهي كانت تقصد أن تضيف له الخط الروائي الحقيقي بين أشقائها وابنتها وعمتها وخالها، لأنها ليست ممثلة، لكنها تقدّم دورها في الحياة، والحوار الذي دار بينها وبين ابنتها لم يكن مكتوبا وجاء ارتجاليا، بعدما حضرت ورشات عن السير الذاتية، كي تتعلم كيف تتحدث بتلقائية دون الرجوع إلى النص، خاصة أنها تروي مواقف حقيقية دون تصنع.”

يا الرواي احكي حكاية…

“يا الراوي احكي حكاية مادابيك تكون رواية احكيلي على ناس زمان، احكيلي على ألف ليلة وليلة وعلى لونجة بنت الغولة، وعلى وليد السلطان، حاجيتك ماجيتك وديني بعيد من هاد الدنيا، حاجيتك ماجيتك كل واحد منا في قلبو حكاية، احكي يا الراوي كيما حكاولك، ماتزيد ما تنقص، من عندك احكي ونسينا من هاد الزمان خلينا في كان يا مكان”، بهذه الكمات من أغنية “يا الرواي احكي حكاية” للمغنية الجزائرية سعاد ماسي تنهي ماريان خوري شريطها السينمائي وفي قلبها ألف حكاية، فاختيارها للأغنية يأتي نظير عشقها للمطربة الجزائرية ولأن كلماتها تؤكد حالتها.