fbpx
مقالات الرأي

“إن شئت كما في السماء” لإيليا سليمان.. الصمت واليأس بلا اتجاه

كيف نتخذ من السخرية أسلوبا لمداواة همومنا أو على الأقل تحديد جرحنا ووجعنا؟ أسلوب يتخذ منه المخرج الفسلطيني ابن الناصرة إيليا سليمان بفيلمه “إن شئت كما في السماء” المعروض في القسم الرسمي خارج المسابقة، في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ 41 من 20 إلى 29 نوفمبر 2019 والفائز بجائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما بمهرجان كان السينمائي، بالإضافة لجائزة خاصة من لجنة تحكيم المهرجان، منطلقا للحديث عن الوجع والشتات الفلسطيني هنا وهناك المترامي على أطراف الهامش، فابن الناصرة برع في تصوير مأساة الشعب الفلسطيني بلغة سينمائية يمكنها الوصول إلى البشر بمختلف أعراقهم وأجناسهم حول العالم، فلا لغة تعلو لغة الصمت المعبر هنا فهذا نهج إيليا سليمان وكأنه يخط حروف مقولة الشاعر الشيلي بابلو نيرودا، حين قال “الكلام هو أحد أجنحة الصمت”، هكذا عبر عن الصمت بوصفه اللغة الرئيسة للإنسان، والوسيط التعبيري الأكثر شمولًا من الكلام، فالصمت لغة عالمية للتواصل تمتلك قدرة غير محدودة على تجسيد مختلف المدلولات حسب ما يقتضيه السياق، والتعبير في الفيلم عن طريق الصمت حول ما يجري ربما هو نظرة فلسفية من المخرج ورسالة مفادها أن الصمت أكبر جريمة حول ما يجري في فلسطين.

يُقدم إيليا سليمان لوحات كوميدية صامتة هو جزء منها يكتفي بالسكوت، يظهر أمام الكاميرا بنفس الوجه والملامح التي لا تتغير طيلة 100 دقيقة من عمر الفيلم، يقول إيليا إن طموحه بلوغ الشعر الصافي في السينما، أي أن تكتفي الصورة بنفسها بأقل ما يمكن من الدلالات، وبمثلها من الحوارات، هذا الشيء نعيشه في الفيلم فبطل الفيلم هو مخرجه في نفس الوقت لا يتلفظ إلا بعبارة واحدة فقط وهي “من الناصرة، أنا فلسطيني”، فلسطيني يبحث عن وطن له ينتقل هنا وهناك بعبثية جسدها عبر صور، لينقل لنا نظرته لهذا العالم الظالم الذي لم يسلم من العنف الذي صار يتعدى حدود موطنه الأصلي.

يقول إيليا سليمان إن العزلة كبرت معه، في مواجهة عالم ينحدر أصبح في حالة مزرية للغاية، يتساءل “لماذا الكلام، بينما السينما صور؟”. أما الصمت فيقول إنه لغة من اللغات، وإن السؤال يجب أن يعكس ويوجه إلى الكم الكبير من الأفلام المبنية على الحوار الاستهلاكي، الأحادي، الموجه إلى متلق كسول معه علبة فُشار.

“الحوارات السينمائية، تشتمل على معلومات لا يحتاجها المتلقي، وتستهدف تغييبه عن مشاهدة الصورة”، من هنا ربما يريد للمتلقي أن يبذل جهدا ولا يكون مروحة للكسالى النائمين على رأي عباس محمود العقاد،  فما تحمله الصورة من دلالات تستحق تحليلها والبحث عن مدلولاتها في الفيلم، ففي النهاية، السينما صورة واللقطة عبارة عن مجموعة صور، فما الحاجة إذن للكلام والحوار ما دام أن الصورة والصمت يؤديان وظيفتهما ويوصلان المعنى؟

يتحدث إيليا سليمان في فيلمه عن نفسه يرصد آلامه، تشتته، بعده عن الوطن، آلام فلسطين، منفاه بتناقضاته بكل إيجابياته وسلبياته، يرسم لوحات من الضياع في عالم دون ملامح، ضياع يبحث فيه عن نفسه وألم يعيشه نابع من البعد وما يُكابده بلده من معاناة وخراب، يصور بلدته وضيعته، تصرفات جيرانه ينقل كلامهم ثم ينتقل بكاميرته إلى باريس، يقف محل الكاميرا يُراقب ما يجري بمدينة الأضواء، ودائما بصمت يكتفي بدور المتفرج في العالم الغريب عنه، عالم النساء الجميلات، باريس مدينة الموضة والجنون والأنوار، قصده بحثا عن شيء ربما يجده هناك، وكأنه مخرج فيلم صامت لدورة حياة تتكرر بنفس الأشياء دون ملل، يطوع إيليا سليمان مادته الفيلمية وكأنها لعبة في يده، بفلسفته الخاصة يسخر من نفسه ومنا ومن العالم أجمع، يعود للناصرة يصورها بتناقضاتها في ظرف وجيز، مشاهد تختزل وتختصر ما يجري في البلدة “الملهى الليلي”، الشرطيان الإسرائيليان شباب يركضون اتجاهه حاملين العصي، لم يتغير أي شيء هنا أو هناك فالعالم يشبه بعضه، والكل تائه سواء كنت في الناصرة بفلسطين أو في باريس أو في نيويورك بأمريكا، خاصة بالنسبة للمخرج على الأقل ففلسطينيته ترافقه أينما حل حتى عندما يحاول إيجاد منتج لفيلمه فيقدمه أنه مخرج فلسطيني وأفلامه طريفة، مثلما حدث في مشهد تقديمه لإحدى المنتجات بأمريكا.

يعكس المخرج الفلسطيني بفيلمه “إن شئت كما في السماء” واقعا متكررا بشكل يومي تقريبا، قصص وحكايا ترتبط بهامش الإنسان ويومياته وعلاقته مع الآخر، وتجاذبات ترصدها العين والكاميرا في آن، فلغته السينمائية واضحة تعتمد على التكثيف البصري الذي يحل محل الحوار ويصبح الأخير دون جدوى، وبالنسبة للسرد السينمائي عند إيليا سليمان في هذا الشريط السينمائي فهو لا يعني بحال من الأحوال أنَّ العلاقة الحبكوية التي تُنظم الحوادث المختلفة في الفيلم يجب أن تعبّر عن وظيفتها السببية بشكل مباشر، لأنّ الشكل البصري هو خيار المخرج المتفرد في النهاية بعيدا عن إطار سردي كلاسيكي  يمكن أن يقيده فهو متحرر من قيود التأصيل والنمذجة، وفي النهاية نحن أمام عمل سينمائي في وحدة فنية متكاملة.