الرئيسية » مقالات الرأي » الإعلام الجديد هل هو تدعيم لوعينا السياسي أم تعكير له؟

الإعلام الجديد هل هو تدعيم لوعينا السياسي أم تعكير له؟

قبل عشرة أعوام انطلق الربيع العربي بداية من تونس، وانطلقت معه أمنيات شعوب المنطقة متطلعة لتغيير حقيقي. كان الكثير من تلك الأمنيات يعتمد على الإعلام الجديد، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. نذكر في مصر كيف وظف “شباب الثورة” فايسبوك لتنظيم الاحتجاجات و لنشر الأخبار و تطورات الأحداث.

لم يقتصر ذلك على مصر فقط بل عــلى تونس أيضا، وليبيا واليمن وسوريا، ولاحقا الجزائر والسودان والعراق ولبنان. قامت تلك الحركات بعد توافق مجتمعي على أن الأنظمة الحاكمة تلك، لا يجب أن تستمر، وكان التطور الرقمي الذي حدث في العقدين الماضيين إحدى أعمدة ذلك الوعي الذي تكوَّن.

شكل بزوغ وسائل التواصل الاجتماعي البديل الإعلامي، وطُرحت روايات أخرى، تتحدى الرواية الرسمية. لم تتحق أمنيات التغيير، بل قد يقول كثيرون إن نتائج الربيع العربي كانت عكسية. طبعا يعود هذا لعوامل كثيرة.  ولكن هل يمكننا أن نُلقيَ اللوم على الإعلام الجديد كإحدى هذه العوامل، بعد أن أعطيناه الفضل في رفع مستويات الوعي أثناء هذه الحركات الاجتماعية؟

قد تبدو وسائل التواصل الاجتماعي كأنها فضاء مفتوح يتيح لجميع أفراد المجتمع إبداء آرائهم والإدلاء بأصواتهم. وإن كان هذا صحيح بنسبة كبيرة، إلا أننا قد نتناسى أحيانا بأن فايسبوك، وغوغل، وتويتر، كلها شركاتٌ خاصة تبحث عن الربح المادي.

إعلام بديل.. تجاري!

 وصْفُ هذه المواقع ب”الشارع الإلكتروني” قد لا يكون وصفا كاملا، فالشارع ملك عام، أما هذه المواقع فهي شركات خاصة تبحث عن الأرباح، و البضاعة فيه هي الوقت الذي يقضيه المستخدم في هذه المواقع.

النموذج التجاري الأساسي لكل هذه الشركات هو بيع الإعلانات، فمن مصلحة شركات وسائل التواصل الاجتماعي، جذب المستخدمين لقضاء وقت أطول على هذه التطبيقات. وقد صممت هذه المواقع لهذه الغاية تحديدا.

التصميم والألوان وخصائص أخرى، كالتعليق والإعجاب والنشر، كلها اختيرت بعناية لإبقاء المستخدم في تواصل دائم، وانخراط في محادثات وجدالات، تضمن بقاءه على هذه التطبيقات وقتا طويلا.

عواقب وخيمة

لكل هذا آثار وعواقب على الوعي السياسي المجتمعي. فنظرا لطبيعة الإنسان، يُؤدي هذا الانخراط الدائم إلى كثير من تصادم الآراء. قد يبدو هذا إيجابيا إن كان هذا الصدام يُعبر عن نقاش وجدال فكريين. ولكن في حقيقة الأمر، غالبا ما يأخذ النقاش شكل السب والشتم، والقذف والتجريح.

من أحد أسباب هذا السلوك، القيود الموجودة في هذه المواقع، فلا يمكنك إيصال فكرة كاملة في منشور من 280 حرفا (كما هو محدد في تويتر)، هذا يدفع الناس إلى أخذ الطريق السهل في النقاش، طريق التعميم وتبسيط المفاهيم. إضافة إلى أن القارئ أصبح نزقا ملولا، لا يحبذ المنشورات الطويلة، ويفضل في المقابل الموضوعات القصيرة، واللغة البسيطة، وحتى الركيكة أحيانا، والهجينة من أجل إيصال فكرته، أو استيعاب أفكار الآخرين.

غرفة الصدى

ما تفعله أيضا وسائل التواصل الاجتماعي هو عرض المحتوى الذي يتوافق مع تصوراتنا المسبقة، فمع الوقت تتكون صفحاتنا من الآراء، والمحتوى الذي يكرس وجهة نظرنا فقط. تُعرف هذه الظاهرة بال “Echo Chamber” أو غرفة الصدى، حيث يُعيد المستخدم سماع رأيه مجددا ويجد راحة في ذلك، بدلا من سماع آراء مختلفة، وعدم التفاعل مع وجهات نظر أخرى. وحين يحدث ذلك التفاعل يحدث تصادم سلبي، حيث تكرسه خصائص موجودة في وسائل الإعلام الجديد، وتضخم من الاستقطاب السياسي الموجود، وتُنقص من أي فرصة فعلية لإيجاد أرضية مشتركة للنقاش والتوافق.

 هذه الخصائص أثرت جليا في الحركات الاجتماعية كالربيع العربي على سبيل المثال، أو الحراك في الجزائر. قد يكون هناك تفاهم مبدئي في بداية هذه الحركات، ولكن مع الوقت، ومثل أي حركة مجتمعية، يبدأ الانقسام مع تطور الأحداث. وهو أمر طبيعي.  ولكن إن زاد الانقسام، والاستقطاب السياسي عن حده الطبيعي، فسينعدم الاتفاق المبدئي الذي بُنيت عليه الحركة السياسية أو الاجتماعية، ويكون مآلها الفشل.

الزخم وما بعد الحقيقة

لم يعش الإنسان فَترة من الضجة المعلوماتية مثل التي يعيشها اليوم، كم هائل من المعلومات (الصادقة والكاذبة)، والصور (الحقيقية والمفبركة) تصله كل حين. كل هذا يُشوش على نظرته للحقيقة.  أولا، التدفق المتواصل للمعلومات، يؤدي الى ضبابية في المشهد، ويُقلص من التركيز في معرفة المعلومة الدقيقة.  ثانيا، ونظرا لكمية الأخبار الكاذبة والمزورة، أصبح من الصعب تصديق كل الأخبار التي تأتينا، وبدأنا نشكك في الكثير من الأمور، حتى لو كانت صحيحة.

يسمى عصرنا هذا بال “Post-Truth Era” أو عصر ما بعد الحقيقة، تؤشر هذه التسمية إلى تلاشي المعايير المشتركة والموضوعية لفهم الحقيقة. حيث جعلت وسائل التواصل الاجتماعي لكل شخص رأي مسموع، وجعلت كلّ هذه الآراء سواسية نظريا، على هذه المنصات. الأخبار الكاذبة، كثرة الآراء، الصور والفيديوهات المفبركة، وانتحال الشخصيات، كلها خلقت تداخلا مبهما بين الحقيقة والكذب والرأي، فأصبحنا لا نميز الحقيقة ولا نمتلكها.

لم يعش الإنسان فَترة من الضجة المعلوماتية مثل التي يعيشها اليوم، كم هائل من المعلومات (الصادقة والكاذبة)، والصور (الحقيقية والمفبركة) تصله كل حين

الإعلام إحدى أهم وسائل التأثير سياسيا، ووسائل الإعلام الجديدة، ليست مستثناة من ذلك. تستغل الحكومات والمخابرات، والجماعات السياسية، والجماعات الضاغطة المختلفة هذه الوسائل لغاياتها المتعددة. سواء كان هذا عبر “البروباغاندا” أو نشر الأخبار الكاذبة، أو حتى التجسس، فأصبحت هذه المواقع عبارة عن ساحات معارك فعلية. إحدى الأمثلة على هذا، هو التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية سنة 2016. كانت تلك الحملة تُركز على مجموعات الفايسبوك المناصرة لترامب حينها، وكانت تُروج للأخبار التي تستهدف المرشحين الآخرين. وبالتالي كانت تزيد من فُرص فوز ترامب في الانتخابات. لم يتطلب الأمر قرصنة نتائج الانتخابات، بل فقط فهم واستغلال الثغرات الموجودة في وسائل التواصل الاجتماعي، حتى تؤثر على الوعي السياسي لمجموعة معينة.

قديما كان النقاش في أمور السياسة، والمجتمع يدور في الأماكن العامة، وفي الحيز العام ويأخذ مجراه الطبيعي. أما الآن فيدور ذلك النقاش في عالم افتراضي، حيث نحن موجودون الآن، اجتماعيًا وسياسيا.

الإنترنت هو المكان الذي نتبادل فيه الأفكار، والمكان الذي نتعرف فيه على وضعنا السياسي، وعن تطور الأحداث. فهو إذن، يشكل حاليا المصدر الرئيسي للأخبار للكثير منا. العالم الافتراضي هذا قد يُشبه الواقع، ولكنه لا يعكسه. فإن كانت تلك المواقع لا تعكس ما يحدث في واقعنا بشكل كلي، وتُبهم الحقيقة، وتستقطبنا سياسيا، فكيف لنا أن نفهم محيطنا السياسي الحقيقي، وكيف لنا أن نغيره.

 ما زال البشر في بدايات التجربة الافتراضية. وما زلنا نتعلم ميزات هذه التجربة، ونقائصها. ولكن كما أعطينا الفضل لوسائل الإعلام الجديدة في تجديد الروح السياسية للشعوب، يجب علينا أن نعترف أيضا أنها ساهمت في تعكير الجو السياسي وتعقيده.

مصادر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.