الرئيسية » تحقيقات وتقارير » الاحتجاجات.. حراك المؤسسات أم تحرك الدولة العميقة؟

الاحتجاجات.. حراك المؤسسات أم تحرك الدولة العميقة؟

الاحتجاجات.. حراك المؤسسات أم تحرك الدولة العميقة؟

مع اقتراب موعد رئاسيات 12 ديسمبر ترتفع حدة الاحتجاجات المهنية والاجتماعية، مما شكل حالة غليان لم تشهدها الجزائر منذ مدة، وطبع المشهد غياب الاستقرار داخل مؤسسات فاعلة في الحياة المجتمعية.

رفض سياسات السلطة لم يقتصر التعبير عنه في الميدان، بل انتقل إلى داخل المؤسسات، وبُعيد أسابيع قليلة من انطلاق الدخول الاجتماعي، شهدت شركات اقتصادية وخدماتية إضرابات مفتوحة مرفوقة باحتجاجات في مختلف الولايات.

وتختلف قراءة المتابعين في تفسير خلفيات هذه الاحتجاجات داخل المؤسسات، بين من يراها انتقالا إيجابيا وضروريا لنسائم الحراك الشعبي داخل المؤسسات، وبين من يُشكك في عفويتها، وارتباطها بيد الدولة العميقة التي باتت تشن ثورة مضادة ضد ما حققته ثورة الابتسامة.

خمسة تكتلات نقابية في إضراب

يدخل القضاة أسبوعهم الثاني في إضراب وطني مفتوح، بالرغم من أن القانون الأساسي للقضاة، الذي ينص في مادته 12 على أنه “يمنع على القاضي القيام بأي عمل فردي أو جماعي، من شأنه أن يؤدي إلى وقف أو عرقلة سير العمل القضائي”، ويعتبر إضراب القضاة هو الأقوى بعد تحقيقه لاستجابة بلغت 98 بالمائة حسب بيان النقابة، للمطالبة بإلغاء الحركة التي مست نحو 3000 قاض، وفصل السلطة التنفيذية عن القضائية.

كما دعت النقابة الوطنية المستقلة لعمال الكهرباء والغاز عمال مجمع سونلغاز لشن إضراب وطني عام، ابتداءً من الثلاثاء الموافق للخامس من شهر نوفمبر الجاري ولمدة ثلاثة أيام، مرفوقاً باحتجاجات في كل المديريات والوحدات، في إطار انتفاضة من أجل الكرامة ومساندة الشعب في مطالبه من أجل الحريات التي حُرم منها عمال المجمع فيما سموها “الثورة العمالية” عام 2017.

ومن جهتها أعلنت نقابة البنوك العمومية الدخول في إضراب وطني يوم الأحد 10 نوفمبر، تنديداً بما وصفته أسلوب التعامل مع الشريك الاجتماعي كالتهميش والإقصاء بعد فشل سلسلة المفاوضات التي ظلت عالقة.

وشنّ أساتذة التعليم الابتدائي نهاية الشهر المنصرم، إضراباً دورياً للمطالبة بتحقيق الانشغالات المهنية والبيداغوجية والاجتماعية المطروحة منذ سنوات.

عمال الموانئ أيضا دخلوا في إضراب منهم عمال أكبر ميناء نفطي في الجزائر (ميناء أرزيو) بوهران، وسبقهم عمال ميناء الجزائر، منددين بإغلاق الإدارة باب التفاوض مع ممثليهم بشأن المنح الاستثنائية.

ودخل سائقو سيارات الأجرة بالعاصمة في إضراب مفتوح عن العمل، اليوم الأحد، مع تنظيم وقفات احتجاجية أمام مقر مديرية النقل إلى غاية تحقيق المطالب المرفوعة إلى الجهات المعنية.

مطالب النقابات.. اجتماعية أم سياسية

بيانات بعض النقابات المضربة، تلتقي مطالبها في تحسين الظروف الاجتماعية ورفع الأجور والمنح، في حين بنت بعض النقابات الأخرى بياناتها على مطالب سياسية تشترك فيها مع الحراك الشعبي، بل وتعتبرها الموجة الثانية لثورة الابتسامة، وهو ما جاء في بيان نقابة سونلغاز، التي دعت جموع عمال مجمع سونلغاز للانتفاضة من أجل الكرامة ومساندة الشعب في مطالبه من أجل الحريات وقالت: “فلنساند الحراك و نبدأ حملة للتغيير الحقيقي داخل مجمع سونلغاز (…) كونوا على قلب واحد قبل أم تضيع علينا الفرصة ولنفعل ما يفعله القضاة وغيرهم من الأسلاك المنتفضة ضد الحقرة والتعسف”.

نقابة القضاة هي الأخرى أكدت أن المطلب الأساسي للقضاة كان وسيبقى تكريس استقلالية العدالة التي يشتكي الجميع من سوء حالها وضعف أدائها.

الدولة العميقة تحرك أذرعها

ومع توسع أسلوب التصعيد لمختلف النقابات خاصة التشكيل النقابي المرتبط بالقضاة الذي بدأ يأخذ أشكالاً أخرى، كالدخول في إضراب وطني شامل مرفوقاً بوقفات احتجاجية في مختلف ولايات الوطن، ظهرت أصوات تتهمهم بارتباطهم بالدولة العميقة، واستخدامهم كورقة لممارسة الابتزاز السياسي وكبح المسار الانتخابي المقرر إجراؤه في 12 من شهر ديسمبر المقبل.

في هذا الصدد قال قائد أركان الجيش أحمد قايد صالح في آخر خطاب له، “إن الشباب سيقومون بإفشال مخططات العصابة وأذنابها الذين تعودوا على الابتزاز السياسي”، مشددا على أن الانتخابات الرئاسية ستجري في موعدها المحدد.

ومن جهة أخرى، نفى أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة سطيف، دريس نوري، ارتباط الاحتجاجات لمختلف القطاعات بالدولة العميقة واصفا إياها بالوهم الذي يستخدم ضد كل من يعارض التوجه العام للسلطة السياسية في البلاد، متسائلا عن قدراتها التي لم تنجح حتى في حماية الجنرال توفيق من دخول السجن، داعيا إلى إبعاد مثل هذه الخرافات القديمة، قائلا: “لا يجب أن نبالغ كثيرا، فالقضاة تعرضوا لعملية تغيير واسعة أضرت بمصالح الكثير منهم”.

وأوضح دريس نوي في حديثه لـ”أوراس” أنه من الصعب معرفة الأسباب والجهات التي تحرك النقابات في ظل غياب تقاليد نقابية واضحة في مختلف القطاعات وعدم استقلالية العمل النقابي والقضائي في البلاد.

أسباب الاحتجاج

رغم اقتراب موعد رئاسيات 2019، التي لم يعد يفصلنا عنها سوى خمسة أسابيع، إلا أن الساحة السياسة تزداد غليانا وتعقيدا يوما بعد آخر، فموازاة مع استمرار الحراك الشعبي في الخروج إلى الميادين كل جمعة، ترفع التشكيلات النقابية سقف التصعيد في مرحلة حساسة ومفصلية تعيشها البلاد، الأمر الذي طرح تساؤلات جوهرية لدى الجزائريين حول سبب اختيار هذا الوقت بالذات لاتخاذ هكذا قرارات تؤجج الوضع.

يرى إدريس النوي أن بعض النقابات استغلت فرصة ضعف شرعية السلطة ووضعها الحالي الخاص، لممارسة الضغط عليها من أجل تحقيق مطالبها المرتبطة بقطاعاتها وفئاتها بشكل مباشر، خاصة نقابة القضاة التي يمنعها القانون من ممارسة أي عمل فردي أو جماعي يعرقل سير العمل القضائي.

ونفى المتحدث ذاته، أية علاقة لهذه الحركات الاحتجاجية بالحراك الشعبي، خاصة وأن مشاركات النقابيين في الحراك لم تكن باسم هذه التشكيلات، بقدر ما كانت مشاركات فردية تعكس موقف الأفراد لا الجماعات، وهو الأمر ذاته فيما يتعلق بالقضاة الذين لم يشاركوا لا من قريب ولا من بعيد في الحراك الشعبي يضيف محدثنا.