الاقتصاد .. قنبلة موقوتة فوق مكتب الرئيس

جمع خبراء اقتصاديون على أن أول تحد يواجه الوافد الجديد إلى قصر الرئاسة، قانون المالية لعام 2020 كأول قانون يؤشر عليه الرئيس

منذ إعلان السلطة المستقلة للانتخابات عن بداية تسليم استمارات الترشح بالشروط الجديدة بدأ التسابق على كرسي الرئاسة، وخلال 20 يوما بلغ عدد الراغبين في تسلم مفاتيح قصر المرادية 114 مترشحاً، والعدد مرشح للارتفاع.

هذا العدد الكبير من الراغبين في تبوء كرسي الرئاسة يستدعي التوقف لمعرفة برامجهم الاقتصادية لإخراج الجزائر من عنق الزجاجة، والتخلص من التركة المسمومة للرئيس الأسبق من جهة، وبركان مشاكل قد يثور في أية لحظة من جهة أخرى.

وما يزيد من تعقيد هذه المهمة انعكاسات الجانب الاقتصادي على باقي القطاعات الأخرى، خاصة مع جبهة اجتماعية التي تعيش على وقع الغليان، ولأن قوة أي بلد تقاس بقوة اقتصاده، فإن الرئيس القادم يفترض أن يكون برنامجه اقتصاديا بامتياز نظرا لحجم المسؤولية المنتظرة، فهل يدرك المتهافتون على كرسي المرادية حقيقة هذه المهمة، أم أن منصب “رئيس الجزائر” هو الهدف الأسمى؟

قانون المالية.. أول اختبار

يجمع خبراء اقتصاديون على أن أول تحد يواجه الوافد الجديد إلى قصر الرئاسة، قانون المالية لعام 2020 كأول قانون يؤشر عليه الرئيس، حيث يتفق الخبيرين الاقتصاديين  سليمان ناصر وعبد الرحمن عية، على أن القانون سيفتح الباب على مصراعيه أمام الرئيس لخيارات جميعها صعبة، إما التوجه نحو الاستدانة الخارجية كخيار يصعب تحقيقه بسب عدم وجود أي دولة تقرض الجزائر في ظل الوضعية الاقتصادية الصعبة لها، وعدم امتلاكها لأي مشاريع منتجة تضمن للدولة المقرضة تسديد هذه الديون، ناهيك عن التآكل السريع في احتياطي الصرف، أو التمسك بـ”الخيار الكارثة” المتمثل في التمويل غير التقليدي التي حذر الخبراء من انتهاجه.

ويرى المحلل الاقتصادي سليمان ناصر أن التحدي الأكبر الذي سيواجه الرئيس القادم في أولى خطواته نحو قصر المرادية، نزيف احتياطي الصرف وتآكله السريع والمتواصل، وما ينتج عنه من عجز في تغطية نصف سنة من الواردات في غضون 2022، مالم يتمكن الرئيس القادم من إيجاد آلية تحقق التنوع الفعلي في ايراداتها خارج عائدات المحروقات وضبط وارداتها بما يكفل لها ضمان التوازن في ميزانها التجاري وميزان المدفوعات.

ويشير سليمان ناصر، في حديثه مع أوراس، إلى عقبة أخرى ستقف في وجه الوافد الجديد لقصر الرئاسة، ترتبط برهان رفع قيمة الدينار التي تهاوت إلى مستويات قياسية، وانعكاسات هذا التهاوي على تدهور القدرة الشرائية للمواطن، التي تعتبر فتيل قابل للاشتعال في لحظة موجة غضب وغليان لدى الفئات الاجتماعية المختلفة.

وتعرف الموازنة العامة للدولة عجزا متزايدا في السنوات الأخيرة، إذ قدرت الأرقام عجزا بقيمة 1900 مليار دينار عام 2018، بينما ارتفع حجم هذا العجز إلى 2000 مليار حسب التسريبات التي أفادنا بها ذات الخبير، معتقدا أن هذا الملف يضع خليفة بوتفليقة في وضع لا يحسد عليه، خاصة في ظل التذبذب في أسعار المحروقات كمورد يعتمد عليه اقتصاد البلاد بشكل شبه كلي .

التشغيل.. بركان مشاكل

يعتبر ملف التشغيل القنبلة الموقوتة التي قد تفجر الشارع الجزائري في أي لحظة، نظرا لارتفاع نسبة البطالة في أوساط الشباب المتخرجين، رغم محاولة الحكومات السابقة ابتكار برامج لامتصاص البطالة، منها (أونساج وأونجام وكناك) التي كلفت خزينة الدولة أكثر من 6 ملايير دولار منذ إطلاقها، إلا أنها فشلت في امتصاص هذه الظاهرة لأسباب كثيرة، دفعت برجال الغد إلى ركوب أمواج البحر للبحث عن وضعية اجتماعية أفضل يقول الخبير الاقتصادي سليمان ناصر، موضحا أن الرئيس المقبل أمامه عائق كبير يحتم عليه التفكير في إيجاد مفاتيح حل توفر مناصب شغل ترضي الشاب الجزائري  للبقاء في وطنه وتشجعه على ابتكار مشاريع انتاجية تخدم اقتصاد البلد المتهاوي.

وتساءل ذات الخبير، عن الطريقة التي سيعالج بها شاغل كرسي المرادية مشكلة الاقتصاد الموازي المتسبب في نزيف العملة الصعبة، بل وحتى التهرب الضريبي الكبير، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة مالية خانقة، وتشير الأرقام حسب سليمان ناصر إلى أن هذا السوق أصبح يمثل أكثر من 40 بالمائة من مداخيل البلاد من العملة الصعبة نظرا لتواطئ رجال النظام السابق معه حتى أصبح يسمى محمية العصابة، مستدلا في ذلك بموقع أكبر سوق غير نظامية للعملة “السكوار ” المتواجد على مسافة قريبة من مؤسسات كبيرة السلطة النقدية للبلاد البنك المركزي والبرلمان بغرقتيه، مردفا بالقول: “هل للرئيس القادم الشجاعة الكافية أن يقضي على السوق الموازية للعملة والتي كانت محمية من العصابة”.

وختم الأستاذ في جامعة ورقلة حديثه، بالإشارة إلى ملفات أخرى ثقيلة تنتظر الرئيس القادم منها مصانع تركيب السيارات، بالإضافة إلى إصلاح منظومة الدعم الاجتماعي التي تكلف خزينة الدولة ما يقارب 1770 مليار دينار أي ما يمثل 8 في المئة من الناتج الداخلي الخام.

مفتاح الحل

يعتقد الخبير الاقتصادي عبد الرحمن عية، أن الرئيس الجديد أمام تحد تنشيط حزمة اصلاحات مالية تقوم على أساس إصلاح البنوك وضبط آلية دقيقة تمكن من تحصيل الضرائب التي لا تعود مداخيلها للخزينة العمومية بنسب ضئيلة جدا، فضلا عن ضبط المعاملات الجمركية مع الخارج.

وشدد عبد الرحمن عية في حديثه مع أوراس، على إجبارية التوجه نحو سياسة تنويع مصادر الدخل، من خلال تشجيع المشاريع الإنتاجية في المجال الفلاحي على سبيل المثال، وإعادة النظر في ملف تركيب السيارات.

وركز ذات المتحدث، على أهمية إضفاء التسيير العقلاني في المؤسسات بما يحقق تمكين الكفاءات في مناصبها، معتبرا أن التحديات الكبيرة التي ستواجه الرئيس القادم تعتمد في عمقها على مورد بشري كفء قادر على تحقيق هذه الاصلاحات بما يخرج الاقتصاد من الوضعية التي هو عليها .

أولوية الرئيس القادم

يصف خبراء الاقتصاد مهمة الرئيس الجديد بالسير فوق رمال تحركها أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، نظرا للمخلفات الكارثية التي تركها النظام السابق بحكوماته المتعاقبة، التي أدخلت الاقتصاد الوطني في متاهات الخروج منها ضرب من الخيال، مقترحين التوجه نحو تأسيس مجلس اقتصادي للخبراء والمحللين تتوفر فيه ميزتان، أولهما أن يكون منتخبا وأن تكون قرارته ملزمة لا استشارية، فالرئيس القادم ومهما كان عبقريا من الصعب جدا أن يحل المشاكل الاقتصادية لوحده.