مقالات الرأي

الانتخابات الأمريكية.. تصدع في الداخل وترقب في الخارج

الانتخابات الأمريكية.. تصدع في الداخل وترقب في الخارج
أوراس في awras on Google News

في انتظار النتائج النهائية للانتخابات الأمريكية، أعلنت كل وسائل الإعلام الأمريكية عشية يوم السبت 07 نوفمبر 2020 عن الفائز برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية وهو المرشح الديموقراطي جوزيف روبينات بايدن والمعروف بجو بايدن، فقد استدعي حوالي 250 مليون ناخب أمريكي لاختيار الرئيس الجديد للولايات المتحدة الأمريكي لعهدة رئاسية جديدة.

بعد أربعة أيام من تنظيم الانتخابات الأمريكية، تحصل المرشح الديموقراطي جو بايدن على 290 صوتا من المجمع الانتخابي من أصل 538 صوت، بينما تحصل المرشح الجمهوري دونالد ترامب على 214 صوتا، وبحكم تعنت الرئيس المنتهية عهدته لإعلان خسارته أمام جو بايدن، أمريكا والعالم بأسره يشدان أنفاسهما بسبب التجاذبات وحالة الاحتقان التي تربك المجتمع الأمريكي في كل أرجائه، فالصراع الأيديولوجي محتدم وعلى أشده، فحملة ترامب تصيح بأعلى صوتها منددة بحالات التزوير وتحاول نقل الصراع من الصناديق إلى المحاكم، وأنصار بايدن مركزين على ضرورة احتساب كل صوت وكل ورقة انتخاب، ناهيك عن الاتهامات المتبادلة وحملات التحريض التي قد تهدد النموذج الديموقراطي الأمريكي.

مهما كانت نتيجة هذه الانتخابات التي تختلف كليا عن سابقاتها، فستلقي بظلال تبعاتها على سمعة الولايات المتحدة الأمريكية في السنوات القادمة وسيكون صعبا على الرئيس المنتخب ردء الصدع الذي أصاب المجتمع الأمريكي في أعماقه، ولذلك يمكننا استعراض مجموعة من العبر و الاستنتاجات التي نراها قد تقوض مكانة الولايات المتحدة الأمريكية على الساحة الدولية في ظل تصاعد قوى إقليمية جديدة منافسة، وتسرع من هشاشة البنيان الأمريكي الداخلي:

سيكون صعبا على الرئيس المنتخب ردء الصدع الذي أصاب المجتمع الأمريكي في أعماقه

سيكون صعبا على الرئيس المنتخب ردء الصدع الذي أصاب المجتمع الأمريكي في أعماقه

أزمة القوى التقليدية

ما يشد انتباهنا في القوى السياسية التقليدية الأمريكية دخولها في أزمة وجودية وفكرية منذ مدة، مما أورثها الفشل في أيجاد قيادات شابة يافعة تستطيع مواجهة التحديات الحقيقية سواء الخارجية أو الداخلية، مما ترك المجال لظهور شخصيات خارج الأطر التنظيمية لهذه القوى السياسية التي سمحت على حد تعبير الأديبة الأفرو-أمريكية طوني موريسون (Toni Morrisson) بإيقاظ الأرواح الشريرة لأمريكا من تغول النزعة العليا للجنس الأبيض، وتنامي الحركات العنصرية وتنمر الليبرالية المتوحشة وسيطرة الصقور اليمينية على توجه السياسة الخارجية خاصة في الشرق الأوسط بتحويل عاصمة الكيان الصهيوني إلى مدينة القدس، رغم القرارات الأممية والضغط على الدول العربية للتطبيع مع هذا الكيان في عهد زعامة اليمين المتطرف في الكيان ذاته، بالإضافة إلى فتح جبهات توحي بوجود ارتباك شديد في القرار الاستراتيجي الأمريكي، كما نبه إليه المفكر الكويتي عبد الله النفيسي منذ 2005، ولعل تأرجح الموقف الأمريكي تجاه الملف الاقتصادي الصيني والملف النووي الإيراني والملف التركي إرهاصات لوجود خلافات عميقة في دوائر صناعة القرار الاستراتيجي.

أزمة التشبيب تخيم أيضا على هذه النخب السياسية بالنظر إلى الحزب الديموقراطي الذي لاقى صعوبة في إيجاد مرشح إجماع شاب خارج هيلاري كلينتون التي تقارب السبعين وبرني ساندرس الذي اكتسح الفئات الشابة في التيار الديموقراطي، لكنه بسبب سنه الذي يقارب من الثمانين وتوجهه اليساري المتشدد بالنسبة للتوجه الإيديولوجي للحزب الديموقراطي لم يحض بأغلبية الحزب الديمقراطي، فما كان بوسع مؤسسات الحزب إلا أن تختار جو بايدن كمرشح للحزب بحكم تمرسه في السياسة كنائب في الكونغرس لعقود وكنائب سابق للرئيس الأمريكي باراك أوباما لعهدتين، ولكنه طاعن في السن، الشيء الذي دفع بالحزب إلى اختيار كامالا هاريس الأقل سنا والمتمرسة في الشؤون القضائية.

النزعة الترامبية وتجذر التطرف

في تحليل للمؤرخة الفرنسية سيلفي لوران، لم يخن ترامب أنصاره في الحزب الجمهوري فحسب، بل فتح الباب على مصراعيه أمام كل أنواع التطرف والتعصب اللذان يشكلان تهديدا حقيقيا للنسيج الاجتماعي الأمريكي.

فبعد انتخابه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، أدار ظهره لأهم وعوده الانتخابية ضمن مشروع تقويم مسار الحزب الجمهوري من خلال التخلص من الليبرالية المتوحشة، والتركيز على إعادة تأهيل التصنيع والتركيز على السياسة الداخلية قصد حماية الاقتصاد الأمريكي، ولكنه ما فتئ يقود سياسة ليبرالية شرسة تجاهل فيها الفئات الهشة، وأعطى اعفاءات ضريبية لأصحاب المؤسسات، الشيء الذي شجع على الثراء الفاحش وإفقار فئات شاسعة من المجتمع الأمريكي، خاصة مع تفاقم الوضع الصحي مع الوباء كورونا، بالإضافة إلى التضييق على المهاجرين، وسن سياسة للهجرة متشددة.

ومن جهة شجع الحركات المتطرفة التي تنادي بأفضلية الجنس الأبيض، مثل جماعة الشبان الفخورين المتطرفة (Proud Boys) التي تأسست عام 2016، وأهم مبادئها محاربة الهجرة وإغلاق الحدود وإبقاء النساء في البيوت وتثبيت الحق في حمل السلاح وتثمين المقاولاتية.

للتذكير فإن الرئيس ترامب رفض بالتنديد بهذه الجماعة عندما طلب منه ذلك المذيع خلال المقابلة التلفزيونية الأولى التي جمعته مع المترشح الديموقراطي جو بايدن بالإضافة إلى جماعة الحرس الأمريكي العنصرية (American Guards)  والتي تأسست هي أيضا عام 2016، دون أن ننسى أعرق هذه الجماعات و هي كلو كلوكس كلان، فقد أحصت الجمعية الحقوقية ساوثرن بوفرتي لاو سانتر  (Southern Poverty Law Center)المتخصصة في متابعة الجماعات المتطرفة حوالي 1020 جماعة متطرفة تحرض على الكراهية.

لقد أدت مواقف الرئيس ترامب المخزية أمام الصراعات العنصرية إلى تأجيج الاحتجاجات مع ظهور حركة أرواح السود مهمة (Black Lives Matters) بعد مقتل جورج فلويد على يد أعوان الشرطة في شهر ماي الماضي، و أعاد إلى الأذهان ما عاناه السود من ويلات التمييز العنصري في التاريخ الحديث للولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب الأهلية ما بين 1861-1865، إلى النضال من أجل الحقوق المدنية في الستينيات، مرورا بقوانين جيم كرو، وهي مجموعة مراسيم وقوانين تمييزية صدرت في الولايات المتحدة الأمريكية خاصة في الولايات الجنوبية والتي دافعت عن مبدأ العبودية وعلية الإنسان الأبيض (ألاباما وكارولاينا الجنوبية ولويزيانا وفلوريدا وألاسكا…) ما بين 1876 و 1964 و هذه القوانين تكرس التمييز العنصري على أرض الواقع على أساس العرق رغم اعترافها بالمساوات في الحقوق للكل، لكن كل في وسطه، ولذا نجد مدارسا للبيض وأخرى للسود، والشيء نفسه بالنسبة للمواصلات، أين نجد حافلات المسافرين مخصصة للبيض وأخرى مخصصة للسود وفي المدارس والإدارات العمومية.

لقد سميت بقوانين جيم كرو نسبة لشخصية كوميدية كان يتقمصا الممثل الكوميدي الأمريكي طوماس دارتموث رايس في حدود 1830 الذي كان يمتهن فن التقمص في صورة رجل زنجي في إطار ما يعرف بالعروض الموسيقية مينيستريل شو، التي كانت تصور الرجل الأسود على أنه غبي وأحمق وغير مكترث بما يحوم حوله.

ورشات بايدن

شعار الرئيس بايدن سيكون إصلاح ما أفسده ترمب الذي تسبب في تشويه صورة الولايات المتحدة الأمريكية في الخارج.

الساسة الفرنسيون يهللون باستعداد بايدن بإلغاء قرار الرئيس ترمب بانسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ خيبة أمل كبرى للجمعيات البيئية، وكانت له تبعات سيئة على المستوى الدولي من اتفاق باريس للمناخ وانضمام الولايات المتحدة إلى الاتفاق مجددا، وعزم بايدن تخصيص ميزانية تقدر بحوالي 2000 مليار دولار من أجل مكافحة الاحتباس الحراري والاعتناء بالبيئة.

بالنسبة لعلاقات أمريكا التاريخية مع الاتحاد الأوروبي ستكون بروكسل أولى محطات بايدن الأولى لإعادة تنظيم الحلف الأطلسي، بفتح الملف التركي على حد تصريح وزير الخارجية الفرنسي الذي يطالب الإدارة الأمريكية الجديدة بتوضيح موقفها من تركيا في هذا الحلف، و أخشى على تركيا أن تدخل في صراع مرير مع أمريكا في المرحلة القادمة فعقيدة الديمقراطيين مختلفة تماما عن تلك التي يحملها ترمب.

لقد أكد جو بايدن خلال حملته الانتخابية محاسبته لنظام ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إثر اتهامه باغتيال الناشط السعودي جمال خاشقجي بقنصلية المملكة العربية السعودية بمدينة إسطنبول التركية، ولذلك سيكون هذا الإجراء كمسوغ لهيكلة النظام السعودي، وهذا هو مربط الفرس، فالسعودية لديها دور في منطقة الشرق الأوسط والخليج بما تمليه الإدارة الأمريكية.

فحرب اليمن التي تدار عملياتها من الرياض كانت محل انقسام في الطبقة السياسية الأمريكية، بالإضافة إلى ملف حقوق الإنسان التي تنتهك حرمتها في بلاد الحرمين، فهل سنشهد حرب مستعرة بين محمد بن سلمان وجو بايدن؟

ما هو مؤكد أن الرئيس الجديد جو بايدن لن يوقف مسلسل التطبيع الدول العربية مع الكيان الصهيوني، لكنه سيكون أقل جرأة و تهورا من سابقه في البيت الأبيض، وسيستمر الدعم الأمريكي غير المشروط وغير المحدود للكيان الصهيوني.

حالات كورونا في الجزائر

مؤكدة
85,084
وفيات
2,464
شفاء
54,990
نشطة
27,630
آخر تحديث:03/12/2020 - 08:46 (+01:00)

نبذة عن الكاتب

فيصل إزدارن

فيصل إزدارن

دكتور باحث في علم الاجتماع السياسي - باريس

اترك تعليقا