الرئيسية » مقالات الرأي » التدخل العسكري خارج الحدود.. ضرورة أمنية أم مجازفة سياسية؟

التدخل العسكري خارج الحدود.. ضرورة أمنية أم مجازفة سياسية؟

التدخل العسكري خارج الحدود.. ضرورة أمنية أم مجازفة سياسية؟

لم تمض إلا دقائق عن إعلان مسودة الدستور الجديد حتى بدأ السجال عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن مضامينه، وتركّز النقاش حول قضايا جدلية عديدة من أهمها تلك المادة التي تشير إلى تخويل الجيش التدخل العسكري خارج الحدود بعد حصوله على أصوات ثلثي البرلمان.

تجدر الإشارة في البداية إلى أن هذا الموضوع سبق أن أثير بشكل خاص عقب 2011 مع بداية الأزمة الليبية ثم المالية، والمخاطر التي شكلتاها على الجزائر وتحديدا هجوم تيقنتورين في 2013، وأشارت الكثير من التقارير إلى أن التخطيط له ثم مباشرته بدأت من خارج الجزائر، وبذلك انقسمت الآراء بين متمسك بمبدإ عدم تدخل الجيش خارج الحدود وبين داع لتعديله تبعا للتطورات الأمنية الدولية والإقليمية.

يتخوف الرأي المتمسك بعدم تدخل الجيش خارج الحدود الجزائرية من انعكاسات المغامرات الخارجية على الجزائر، لأن في مثل هكذا مهام يمكن أن يتورط الجيش الجزائري في نزاعات وحروب معقدة حتى وإن حققت بعض المكاسب الأمنية للدولة، إلا أنها في الوقت نفسه قد تكلفها الكثير، خاصة وأن جل هذه النزاعات تكون غالبا حروب وكالة تعمل فيها القوى الدولية على إضعاف خصومها، والجيش الجزائري مستهدف بمثل هذه المخططات، لذلك يجب قطع الطريق من البداية أمام كل ما قد يدفع به نحو هكذا مستنقعات، وليس هناك أفضل من الإطار الدستوري.

الرأي المؤيد للتعديل الدستوري يستند كما سبق الإشارة إلى التطورات الحاصلة في البيئة الأمنية الدولية؛ حيث باتت الدول تتحرك خارج حدودها، وتقوم بحروب استباقية استجابة للتحول في التهديدات الأمنية وانتقالها من التماثلية إلى اللاتماثلية.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي وغيره من الجماعات لا تنشط داخل الحدود الجزائرية فقط وإنما تتحرك في المنطقة الحدودية بين العديد من الدول المجاورة للجزائر (مالي، النيجر، تشاد، ليبيا، موريتانيا) لذلك فإن مواجهتها يقتضي في الكثير من الأحيان مهاجمتها خارج الحدود الجزائرية.

يتقاطع الرأيان في التخوف على الأمن القومي الجزائري ويتباينان في الطريقة الأسلم للحفاظ عليه، وبالعودة إلى المادة المقترحة في الدستور فإن إقرارها لا يعني بالضرورة أن ينتشر الجيش الجزائري في اليوم التالي خارج الحدود، ويتورط في الأزمات الإقليمية والدولية دون دراسة متأنية لها.

كما أن البقاء على الوضع الحالي يكبل الجيش الجزائري ولا يعطيه أي هامش للمناورة والتحرك والاستجابة السريعة للتهديدات الأمنية، وإقرار هذا المبدأ يجب أن يبقى في إطار مبادئ السياسة الخارجية الجزائرية بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

وذلك لا يتعارض مع حماية أمنها القومي، وعلى العكس فإن هذا سيُتيح للدبلوماسية الجزائرية ممارسة أدوار أكبر إقليميا ودوليا، إذا ما حافظت على نزاهتها في الوساطات التي تقوم بها، وعدم الوقوف إلى جانب أحد أطراف النزاع على حساب الآخر، ولا يكفي في هذه الحالة الإطار القانوني سواء عبر الأمم المتحدة أو الحكومات الشرعية.

ولكن إذا كانت أطراف النزاع غير مقتنعة بالدور الجزائري في إحلال السلم وكطرف محايد لمراقبة التزام المتخاصمين بالاتفاقيات، فإنه لا جدوى من المشاركة في مثل هذه العمليات، ولطالما وُظفت الأمم المتحدة من قوى كبرى، كما قامت حكومات بجرائم في حق شعوبها.

وبالنسبة للتدخل الخارجي الدفاعي فيجب أن يبقى محصورا في المناطق الحدودية للدول المجاورة للجزائر وباتفاقيات أمنية، ومؤقتا وسريعا موجها لأهداف محددة تشكل خطرا داهما على الأمن الجزائري ثم العودة إلى الداخل، لأنه كلما طالت الفترة خارج الحدود وابتعدت عنها جغرافيا كلما تضاعفت معها المخاطر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.