التعديل الحكومي الفرنسي.. قطاع الشؤون الخارجية في مأزق؟
span>التعديل الحكومي الفرنسي.. قطاع الشؤون الخارجية في مأزق؟ فيصل إزدارن

التعديل الحكومي الفرنسي.. قطاع الشؤون الخارجية في مأزق؟

بعد طول انتظار، كشف الأمين العام للإليزيه، ألكسيس كوهلر، عن الطاقم الحكومي الجديد، يوم الجمعة، وقد تكون حكومة تصريف أعمال، إلى غاية تنظيم الانتخابات التشريعية يومي 12 و 19 جوان المقبلين، التي ستسفر عن أغلبية برلمانية قد لا تكون في صالح حزب الرئيس الفرنسي ماكرون.

ما يلفت الانتباه في التشكيلة الحكومية الجديدة، هو تعيين وزراء جدد في الحقائب ذات السيادة، لا سيما الشؤون الخارجية والدفاع، لما لهما من أهمية بالغة في بسط السيادة والحفاظ على المصالح الفرنسية في الخارج، وكذا مجمل التغيرات الدولية وعلى رأسها الحرب الأوكرانية، ومسار إعادة تموقع حلف الناتو أمام التوجس الروسي، والوضع المتأزم في القارة السمراء، وأيضا إدارة التحالفات الجديدة التي تتشكل في المنطقة العربية والشرق الأوسط. وأمام هذه التحديات، فقد تقرر إعفاء جون إيف لودريان الوزير المخضرم من منصبه كوزير للخارجية والشؤون الأوربية وتعيين كاثرين كولونا خلفا له، بعدما كانت سفيرة فرنسا في لندن.

    تابعوا أوراس واحصلوا على آخر الأخبار
  • Instagram Awras
  • Youtube Awras
  • Twitter Awras
  • Facebook Awras

لودريان.. سوء حظ الوزير المخضرم!

لقد استطاع جون إيف لودريان أن يتربع على قصر كي دورسيه (Quai d’Orsay) وهو مقر وزارة الخارجية العتيد، طوال العهدة الرئاسية الأولى للرئيس ماكرون (2017-2022)، بعدما كان وزيرا للدفاع في عهدة الرئيس السابق فرونسوا هولاند، وقد تمت قيادة عملية سيرفال (Serval) في غضون 2017 تحت إشرافه، ويؤكد العديد من المتتبعين بحيازته على سمعة جيدة لدى المحافل الديبلوماسية العربية، لكن، ونظرا للظروف التي عرفتها الساحة الدولية في السنوات الأخيرة، شابت عهدته الأخيرة العديد من الأزمات والمعضلات.

نتذكر جيدا أزمة الغواصات مع أستراليا عندما أقدمت هذه الأخيرة على فسخ عقد شراء غواصات فرنسية الصنع من الجيل الجديد، بعدما فشلت دورات المفاوضات بين البلدين، وبعدها أعلن عن إنشاء حلف جديد في الباسيفيكي، الذي يحمل اسم أوكس (AUKUS) بين الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا وأستراليا، بغية صد التوسع الصيني في عرض المحيط الهادئ، بينما استبعدت فرنسا التي كانت ولا تزال حليفا استراتيجيا للولايات المتحدة وبريطانيا. لقد كان هذا الحدث نكسة للدبلوماسية الفرنسية ولأجهزتها الإستخباراتية لكونها لم تستطع التنبؤ بذلك.

وفي فترة نشاطه كوزير للخارجية، عرفت العلاقات الجزائرية الفرنسية أزمة خانقة في نوفمبر 2021، عندما أساء الرئيس ماكرون للنظام الجزائري، وتم على إثره استدعاء السفير الجزائري بباريس للتشاور. ولكن تجدر الإشارة إلى أن لودريان كان دائما في الخطوط الأمامية لتفكيك الألغام وتجاوز الأزمات بين الجزائر وفرنسا، فقد قام بأكثر من زيارة خاطفة، وفي بعض الأحيان غير مبرمجة مسبقا لتقريب وجهات النظر بين الطرفين وحلحلة التأزم.

وفي عهده أيضا نشبت أزمة دبلوماسية غير مسبوقة بين فرنسا والعديد من الدول الإفريقية، خاصة دول منطقة الساحل، ننبه إلى أن هذه الأزمة يجب أن تقرأ في سياق أوسع ذات جوانب متعددة، ثقافية وتاريخية وأمنية، فمنذ توالي الانقلابات العسكرية في المنطقة ذاتها، لم تستطع السلطات الفرنسية الحفاظ على نشاطها الأمني، إذ نقلت هيئة أركان قواتها “برخان” من مالي إلى تشاد، وساءت علاقاتها مع الطغمة العسكرية الحاكمة في مالي بسبب تصريحات لوزير الخارجية نفسه، التي اعتبرت مهينة ومسيئة لدولة مالي، وكانت نتيجتها قرار النظام العسكري في مالي طرد السفير الفرنسي، الانسحاب من مجوعة 5 لدول الساحل (G5 Sahel)، وتوقيف العمل بالاتفاق الأمني بين فرنسا ومالي، في ظل تصاعد الوجود الروسي في هذا البلد، عبر تحرك قوات فاغنر (Wagner).

بالنسبة للحرب الأوكرانية، باءت تقريبا كل مساعي الديبلوماسية الفرنسية بالفشل أمام التعنت الروسي، ويذكر أن فرنسا على غرار جل البلدان الأوربية لم تأخذ تهديد الحرب على محمل الجد، وهو ما وقع فعلا، وتستعد فرنسا لحرب طويلة الأمد ما سيكون لذلك من عواقب اقتصادية واجتماعية وسياسية على المدى المتوسط والبعيد.

كاثرين كولونا .. ما تبقى من الإرث “الشيراكي”!

تعد كاثرين كولونا من الإطارات المتمكنة في الشؤون الخارجية، وهي متخرجة من المدرسة الوطنية للإدارة، والتحقت بالسفارة الفرنسية بواشنطن بعد التخرج، وآخر منصب لها كان سفيرة فرنسا بالمملكة المتحدة، إلى أن عينها ماكرون في المنصب لمعرفتها الدقيقة بالشؤون الأوربية تحسبا لنشاط ديبلوماسي فوق العادة على المستوى  الأوروبي.

ما يميز سيرة كولونا الديبلوماسية هو أنها كانت ناطقة الرسمية للإليزيه (1996-2004) ، أي خلال عهدتي جاك شيراك، وشغلت منصب وزيرة منتدبة للشؤون الأوربية عندما كان وزير الخارجية آنذاك فيليب دوستبلازي.

لقد كانت كاثرين كولونا شاهدة على السياسة العربية لفرنسا التي تبلورت خلال حكم جاك شيراك، وأخذت قوامها من النزعة “الديغولية” لما لهذه المنطقة من أهمية لفرنسا، ولكن تم وأد هذه السياسة مع مجيئ نيكولا ساركوزي إلى الإليزيه في 2007، ودشن لتقارب غير مسبوق مع الولايات المتحدة الأمريكية.

ستدشن كاثرين كولونا عملها بإضراب سيشنه إطارات وزارة الشؤون الخارجية يوم 2 جوان، احتجاجا على صدور مرسوم رئاسي في الجريدة الرسمية الفرنسية بتاريخ 17/04/2022، يحدد إجراءات إلغاء السلك الدبلوماسي، والذي يشمل سلك مستشاري الشؤون الخارجية وسلك سفراء برتبة وزير فوق العادة بوزارة الشؤون الخارجية، حيث كان هدفه حسب الحكومة فتح مناصب الشؤون الخارجية لفئات أوسع ومن مختلف التخصصات، وهو ما يعتبره المحتجون وأد للسلك الديبلوماسي بعدما كان يمثل مفخرة الديبلوماسية الفرنسية على مدار قرنين.

كما ذكرنا آنفا، تعتبر كاثرين كولونا من بقايا النزعة الشيراكية، كانت تمتاز بنوع من العمق في التعاطي مع القضايا العربية وعلى رأسها العلاقات الجزائرية الفرنسية. يمكننا ذكر مثال جدير بالمتابعة والدراسة. عندما قامت بالرد على نواب البرلمان الفرنسي نيابة عن وزير الشؤون الخارجية آنذاك، الذي كان في مهمة خارج البلاد، وتحديدا يوم 16 ماي 2006، وقد امتعض النواب الفرنسيون آنذاك من تصريحات الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، حول قضايا الذاكرة عندما صرح بأن الاستعمار الفرنسي للجزائر كان أكثر وحشية في تاريخ الإنسانية.

فصرحت كولونا بما يلي: “لا أحد يستخف هنا، سيدي النائب، بثقل التاريخ ، ولا التصور الذي قد يكون لدى الشعوب للأحداث التي وحدتهم في بعض الأحيان، وأحيانًا فصلتهم. ومع ذلك، فإن مسؤوليتنا اليوم، على كلا الجانبين، هي السعي لتقديم محتوى للشراكة الاستثنائية التي قررت فرنسا والجزائر بناءها معًا، مع إظهار اليقظة بالطبع، ولكن أيضًا الطموح لأنفسهم وكذلك لعلاقتهم”.

و كانت كولونا من أصحاب التقارب الجزائري الفرنسي، وتذليل العقبات من أجل التوصل إلى إطار تعاون شامل يرسي دعائم ما يسمى بشراكة استثنائية (Partenariat d’exception) عندما صرحت: “على هذا النص الأساسي سيستغرق وقتًا، لكن هذا أمر طبيعي لوثيقة بهذه الأهمية والتي ستأخذ في الاعتبار جميع من الواضح أن آفاق معاهدة الصداقة التي رغب فيها رئيسا الدولتين في عام 2003 لا تزال مفتوحة. من المسلم به، أننا نعلم أن التفاوض جوانب علاقتنا. وبمعزل عن هذا المنظور السياسي”.

التحدي الآن بالنسبة لهذه الوزيرة، هو محاولة تخطي جماعات الضغط الإيديولوجية وما ذكره الرئيس ماكرون في إحدى تصريحاته عندما اتهم “الدولة العميقة” بعرقلة جهود الدولة، وتمسكها بمفاصل الآلة الدبلوماسية، التي تحول دون التوصل إلى تطبيع شامل ودائم للعلاقات بين البلدين، بما يحقق ذلك النمط من الشراكة التي فشل في بنائها كل رؤساء الجمهورية الخامسة، وصولا إلى الرئيس ماكرون.

بقلم: د.إزدارن فيصل: أستاذ محاضر وباحث في علم الاجتماع السياسي – باريس

فيصل إزدارن

دكتور باحث في علم الاجتماع السياسي - باريس

شاركنا رأيك