ألبوم الصور

الثورة الجزائرية في ذكرى انتصارها الستين.. تأكيد أكاديمي عربي وإشادة غربية

تعود الثورة الجزائرية عربيا من بوابة البحث العلمي والتنقيب الأكاديمي حيث فتح المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات منابره لجامعيين ومثقفين جزائريين وعرب، وتلك مأثرة من مآثره الجليلة.

خصص المركز مؤتمره السنوي للدراسات التاريخية ( 28- 29 ماي 2022) لإعادة قراءة مسارة الثورة، ومكانتها، وما تراكم من سرديات عنها كما جاء في عنوان المؤتمر وتلك أيضا من محاسن هذا المركز ومحامده التي سبق فيها مراكز بحث أخرى على امتداد جغرافية الوطن العرب، عدا الجزائر التي يعتبر الأمر من خاصة اهتماماها.

    تابعوا أوراس واحصلوا على آخر الأخبار
  • Instagram Awras
  • Youtube Awras
  • Twitter Awras
  • Facebook Awras

الثورة الجزائرية.. أوراق المؤتمر تناقش العلاقة مع المستعمر

من الضروري الإشارة إلى أن أوراق المؤتمر تناولت حقولا مختلفة من الاهتمام التاريخي بالثورة الجزائرية، بداية من مقدماتها، وعوامل قيامها، ما اعترض طريقها من عقبات وعثرات، ما واجهها من تحديات ونزاعات، وما حققته من بطولات وانتصارات، كُللت باستقلال الجزائر عن فرنسا في الخامس من يوليو 1962 بعد 132 سنة من استعمار استيطاني غاشم.

لم تنته علاقة الجزائر بفرنسا عند هذا التاريخ، بل انزاحت العلاقة عبر الزمن الذي يلي لتطرح أسئلة العلاقات بين دولة الاستعمار ودولة الاستقلال، وهل أن الثورة حققت تحرير الوطن، أم أنها اكتفت باستقلاله عن مستعمره. تتداخل في المفهومين تفاصيل، التاريخ المشترك والعلاقات الاجتماعية، والسياسية والاقتصادية، واللغة الفرنسية.

نظرة فاحصة لتاريخ الثورة الجزائرية تدعو إلى الاهتمام أيضا بالوثائق الأخرى الخاصة بالثورة، كالوثائق الأمريكية التي كان يكتبها القناصل الأمريكيون
الكاتب: خليل بن الدين

لم تحمل الثورة الجزائرية أي صبغة إيديولوجية، بل كانت نتيجة تراكمات فجرتها سنوات مديدة من الإحباطات كان سببها النضال السياسي والحزبي العقيمين، والوعود الفرنسية الكاذبة.

كانت جدلية “المثقف والعنف الثوري” التحرري للأمة، ترفا فكريا لم يُتح لقادة الثورة 22 الخوض فيه آنذاك، بالرغم من طُغيان المَدّ التحرري للبلدان الآفروآسياوية في تلك المرحلة من انعتاق الشعوب المُستعمَرة. لا يعني هذا أن الثورة جاءت من العدم الفكري، أو أن المثقف انزياحا لوظيفته الإبستمولوجية غير معني بالعنف الثوري، بل كانت للثورة روافد طلابية وشبابية مثقفة مدتها بالكوادر، وجعلتها تتحول من العفوية الثورية في البداية إلى التنظيم المحكم للثورة فيما بعد.

الثورة الجزائرية كانت وراء مفهوم “صراع الحضارات”

في مداخلته، يعتبر “ياسر جزائرلي” وهو أستاذ في قسم الدراسات الإنسانية في جامعة ولاية فيتشبرغ بالولايات المتحدة الأمريكية أن الثورة الجزائرية أدت إلى ظهور مفهوم “صراع الحضارات” نتيجة سعي فرنسا لتبرير حربها بأنها ليست مواجهة بين أمتين، (فرنسية – جزائرية) بل بين حضارتين، الغربية والإسلامية، مضيفا أن الفكرة لم تلق ترحيبا في الولايات المتحدة آنذاك بسبب الحرب الباردة التي شكلت يومها صداما بين إيديولوجيتين (الشيوعية – الليبرالية). لكن سيعاد طرح المبدأ بعد انتهاء تلك الحرب، ليصبح مفهوما أساسيا في العلاقات الدولية.

إشكالية التأريخ للثورة الجزائرية تطرح نفسها على الجزائريين أنفسهم، فتعاملهم مع الذاكرة ما زال محدودا
الكاتب: خليل بن الدين

في إحداثيات اختلاف المفاهيم يقف كل من فرانس فانون ومالك بن نبي على طرفي نقيض. ينتصر فانون إلى تأصيل فلسفة التحرر والكفاح، التي ألهمت فئة المسحوقين والمغصوبين وحفّزتهم على الثورة، أما بن نبي فبقوله إن “الثورة ليست كإحدى الحروب تدور رحاها مع العدد والعتاد، بل إنها تعتمد على الروح والعقيدة” ينتصر إلى مفهوم الهوية الإسلامية للثورة في الجزائر، وأن “الشاحن الأكبر لها هو الدين، الذي هو من أبرز مقومات الهوية الوطنية”.

تتيح المسافة الزمنية التي تفصلنا عن الثورة الجزائرية (60 سنة) فرصة حقيقية لكتابة التاريخ الصادق للثورة. وبعيدا عن الإفراط في عاطفة التمجيد، أو الإنكار الاستعماري، تطرح أمام الباحث الآن فرصة قراءة متأنية في تفاصيل الثورة ببطولاتها وأمجادها، عثراتها وأخطائها، وعلى الكاتب في حقل التأريخ معرفة أنه أمام منعرج تاريخي حاسم في مصير الشعوب العربية والشعب الجزائري على وجه الخصوص، وليس أمام مجرد حرب محدودة في الزمن والتأثير.

ليست مجرد معارك عسكرية!

ما يسميه الدكتور “الزواوي بغورة” أستاذ الفلسفة المعاصرة في جامعة الكويت “عملية الاختزال” التي يجريها الخطاب الرسمي للثورة الجزائرية في بعدها العسكري والحربي فقط، من خلال كتابته لتاريخ المعارك التي شرع فيها من أعوام، يغمط من خلالها الأبعاد الأخرى للثورة، فالثورة لم تكن معارك فقط ، بل تظافرت عوامل عديدة لإنجاحها سواء من جهة التجربة السياسية التي سبقتها، أو أبعادها الاجتماعية وعناصرها البنيوية واللوجستية، أو التفاعلات الخارجية التي رافقتها من مساندة الشعوب العربية لها، إضافة إلى المساعدات المادية والسياسية التي قدمتها لها الشعوب في قارتي إفريقيا وآسيا على وجه الخصوص، ناهيك على مواقف الإسناد والدعم التي قدمتها دول وشعوب أخرى.

إشكالية التأريخ للثورة الجزائرية تطرح نفسها على الجزائريين أنفسهم، فتعاملهم مع الذاكرة ما زال محدودا. والكتابات بشأن الثورة لم تكن بتلك الغزارة المأمولة، وإن كانت مذكرات بعض الثوار التي نُشرت في الأعوام الأخيرة قد حركت سواكن بركة التأريخ الجزائرية. إلا أن غياب مذكرات قادة الثورة (حسين آيت أحمد، محمد بوضياف، أحمد بن بلة، هواري بومدين وغيرهم ..) كان له تأثيره السلبي البالغ على جمع المعلومات من مصادرها الفاعلة والموثوقة.

الدراما تنسحب من المشهد.. إلا في فرنسا

لم تشذ الإنتاجات الدرامية على قاعدة الغياب، فاقتصرت إنتاجاتها على السنوات الأولى للاستقلال، وتراجعت الإنتاجات السينمائية في العقود الثلاثة الأخيرة إلى حدود العدم، فلم يعد من اهتمامات وزارة الثقافة أو المؤسسة الرسمية إنتاج فيلم سينمائي يتناول موضوع الثورة منذ زمن طويل فضلاً على الأفلام الوثائقية إلا ما ندر.

في الطرف الفرنسي يُعزر التوثيق التاريخي، ويتنوع حول حرب الجزائر كما يسميها، فبين الأكاديمي، والجمعوي، والمذكرات، والمجلات المتخصصة والمحاضرات والنقاشات، والندوات الأكاديمية والتلفزيونية، والأفلام والسرد الأدبي تزدحم الإنتاجات بين نظرة تمجيد ماضي “الجزائر الفرنسية” وهي الغالبة، وتبييض أفعال الاستعمار وقضايا التعذيب والتنكيل، وبين أطروحات الندم وقول الحقائق بشأن الأفعال المشينة للاستعمار، وهي إنتاجات قليلة إذا ما قارناها بالأولى.

نظرة فاحصة لتاريخ الثورة الجزائرية تدعو -إضافة إلى الاهتمام بالوثائق الفرنسية (التي لم يُفرج على عدد كبير منها من طرف السلطات الفرنسية)- إلى الاهتمام أيضا بالوثائق الأخرى الخاصة بالثورة، كالوثائق الأمريكية التي كان يكتبها القناصل الأمريكيون في كل من الجزائر والمغرب وتونس، أو الوثائق العربية في مصر وتونس والمغرب على وجه الخصوص، والاتحاد السوفياتي ويوغسلافيا وغيرها من البلدان التي كانت تهتم بالثورة الجزائرية، وهو ما من شأنه أن يقدم خدمة جليلة للتاريخ فيما يخص تدويل القضية الجزائرية، وإدخالها إلى منابر الأمم المتحدة.

محاضرة الدكتور ناصر الدين سعيدوني

المحاضرة الافتتاحية لمؤتمر الدراسات التاريخية بعنوان: “تأملات في الثورة الجزائرية في ذكراها الستين” من تقديم د. ناصر الدين سعيدوني.

خليل بن الدين

إعلامي جزائري، من مواليد 1962، عمل في الصحافة المكتوبة، وفي التلفزيون الجزائري، وأستاذا مشاركا في قسم الإعلام جامعة وهران، وعمل في تلفزيون دبي كبير مراسلين ومشرف نشرات، ويعمل حالياً في قناة الجزيرة

شاركنا رأيك