تواجه الجزائر معضلة حقيقية في تزايد استهلاك الغاز داخل السوق المحلية، بعدما أصبح هذا المورد الحيوي مهدداً لصادرات البلاد، التي تمثل أحد أعمدة الاقتصاد الوطني. ومع أن الجزائر تُصنّف ضمن أبرز الدول الغازية في العالم، فإن الهدر في استهلاك الطاقة بات يثير قلق السلطات، التي دفعتها مؤشرات مقلقة إلى إدراج سلسلة من الإجراءات الجديدة في مشروع قانون المالية لعام 2026، سعياً إلى إصلاح المنظومة الطاقوية وتقليص التبعية للغاز في الإنتاج والاستهلاك.

تمتلك الجزائر احتياطات مؤكدة من الغاز التقليدي تُقدّر بنحو 4500 مليار متر مكعب، ما يجعلها عاشر دولة عالمياً والرابعة عربياً من حيث الاحتياطي.

أما الغاز الصخري فتصل احتياطاته إلى 20 ألف مليار متر مكعب، وفق الوكالة الدولية للطاقة، لتحتل الجزائر بذلك المرتبة الثالثة عالمياً بعد الصين والأرجنتين.

إصلاحات جديدة وتحفيز للاستثمار

تتضمن مواد مشروع قانون المالية للعام 2026 جملة من التحفيزات الجبائية الموجهة لتشجيع الشركات على الاستثمار في مجالات الطاقة النظيفة.

وتنص المادة 99 من القانون على إمكانية اقتطاع النفقات المخصصة لمشاريع تطوير الهيدروجين وإعادة التشجير والطاقات المتجددة من الأرباح الخاضعة للضريبة بنسبة تصل إلى 5%.

أما المادة 126 فقررت خفض الرسوم الجمركية على سخانات المياه التي تعمل بالطاقة الشمسية من 30% إلى 15%، في خطوة تهدف إلى تشجيع الأسر على اقتناء هذه الأجهزة والحد من استهلاك الغاز الطبيعي المدعوم.

تسعى الجزائر إلى مزيج معقد من القوانين والتشريعات التي تحافظ على استقرار الأوضاع الاجتماعية ومواصلة النمو الاقتصادي

وتُظهر الوثيقة الحكومية المرافقة للقانون أن الجزائر تعتزم تجهيز أكثر من 100 ألف منزل بسخانات شمسية بحلول 2035، ما سيساهم في خفض الاستهلاك التراكمي للغاز بنحو 135 مليون متر مكعب، أي ما يعادل 5 مليارات دينار. كما تم إعفاء أجهزة التحليل الكهربائي لإنتاج الهيدروجين من الرسوم الجمركية كلياً، في حين خُفّضت الحقوق الجمركية على مكونات الألواح الشمسية إلى 5% فقط، وهو ما يُتوقّع أن يُنعش السوق الصناعية المحلية ويخلق فرصا جديدة للاستثمار.

ويرى رئيس تجمع الطاقات الخضراء الجزائري، بوخالفة يايسي في حديثه مع العربي الجديد، أن هذه الإجراءات تمثل «رؤية واقعية قابلة للتطبيق» لأنها تركز على حلول عملية يمكن تنفيذها فوراً، وتمنح الصناعة المحلية دفعة حقيقية. وأوضح يايسي أن كل غيغاواط من الكهرباء المنتجة من الطاقة الشمسية سيوفر ما بين 500 و600 مليون متر مكعب من الغاز سنوياً، وهي كميات يمكن توجيهها للتصدير، بما يعزز احتياطات البلاد من النقد الأجنبي.

نحو انتقال طاقوي متدرج

الجزائر تراهن اليوم على مزيجٍ طاقوي أكثر توازناً بين المصادر الأحفورية والمتجددة. فإلى جانب مشاريع الطاقة الشمسية، تتجه الحكومة إلى إدماج الهيدروجين الأخضر في منظومتها الصناعية، بالتوازي مع برامج لتحسين كفاءة الاستهلاك المنزلي والمؤسساتي.

وتشمل الإجراءات الجديدة منح دعم مالي لتبديل المكيفات القديمة بأخرى اقتصادية، وتطبيق مساعدات للشركات لتركيب طلاءات عاكسة على الأسطح لتقليل استهلاك الكهرباء في التبريد والتدفئة، فضلاً عن برامج لتجهيز المدارس والمساجد بأنظمة شمسية مستقلة عن شبكة الكهرباء الوطنية.

وتؤكد بيانات وزارة الطاقة أن استهلاك الغاز في السوق المحلية ارتفع خلال العقد الأخير بنسبة تتراوح بين 5 و7% سنوياً، ليصل إلى أكثر من 52 مليار متر مكعب عام 2023، وهو ما يعادل تقريباً حجم الصادرات الجزائرية من الغاز في العام نفسه. في المقابل، تنتج البلاد أكثر من 140 مليار متر مكعب سنوياً، وتعيد ضخ نحو 35 ملياراً في الآبار للحفاظ على الضغط والإنتاجية.

ويحذر خبراء الطاقة من أن استمرار هذا الاتجاه سيؤدي إلى تآكل الفائض التصديري، لاسيما مع تراجع إنتاج بعض الحقول الكبرى مثل حاسي الرمل، رغم مشاريع التطوير التي تنفذها شركة “سوناطراك”. كما أن تحقيق هدف الرئيس عبد المجيد تبون برفع الصادرات إلى 100 مليار متر مكعب يتطلب تحكما أكبر في الاستهلاك الداخلي وتسريع مشاريع الطاقات المتجددة.

ويُنتظر أن تدخل محطتان شمسيتان جديدتان الخدمة قبل نهاية 2025 بطاقة إجمالية قدرها 400 ميغاواط، ضمن مشروع وطني أوسع لإنتاج 3000 ميغاواط من الكهرباء النظيفة.

ويرى محللون أن هذه الخطوات قد تمثل نقطة تحول في مسار التحول الطاقوي الجزائري، شريطة أن تُواكبها إصلاحات هيكلية في تسعيرة الطاقة وتشجيع الاستثمار الخاص في القطاع.

دراسات وتحذيرات دولية

تتوافق الخطوات الجزائرية الأخيرة مع توصيات البنك الدولي والوكالة الدولية للطاقة، اللتين أكدتا في تقارير حديثة أن استمرار دعم أسعار الغاز والكهرباء في دول شمال إفريقيا يعرقل التحول نحو الطاقات النظيفة ويزيد الضغط على المالية العامة. وتشير دراسة للبنك الدولي عام 2024 إلى أن الجزائر يمكن أن توفر ما يعادل 10 مليارات دولار سنويا إذا خففت تدريجيا الدعم على الطاقة ووجهت موارده إلى مشاريع الطاقة الشمسية والرياح، وهو ما يعادل تقريباً حجم العجز في موازنتها للعام نفسه.