تدخل الجزائر عام 2026 وهي واقفة على أرض صلبة نسبيًا، لكنها ليست أرضًا مكتملة البناء. فالسنة الجديدة لا تأتي محمّلة بانقلابات دراماتيكية ولا بوعود كبرى، بقدر ما تحمل أسئلة عميقة حول ما إذا كنا قادرين على تحويل “الاستقرار” إلى أفق، و”الزمن السياسي” إلى زمن إنجاز.
السؤال الجوهري ليس: ماذا سيحدث للجزائر في 2026؟ بل: ماذا يمكن للجزائر أن تفعل في 2026؟
أولًا: الواقع.. استقرار بلا قفزات كبرى
واقع الجزائر اليوم يُختصر في معادلة دقيقة: استقرار أمني وسيادي واضح، يقابله بطء محسوس في التحولات الاقتصادية والاجتماعية. الدولة حاضرة، المؤسسات قائمة، القرار السيادي محفوظ، لكن الإحساس العام لا يزال مترددًا بين الرضا الحذر والانتظار الطويل.
2026 لا تبدو سنة أزمات خانقة، لكنها أيضًا لا تُبشّر تلقائيًا بطفرة نوعية إن لم تُتخذ قرارات أكثر جرأة في بعض الملفات المؤجلة.
ثانيًا: الجبهة الداخلية.. التحدي الصامت
أكبر تحدٍّ تواجهه الجزائر في 2026 ليس خارجيًا، بل داخلي هادئ، غير صاخب، لكنه عميق الأثر: جبهة الثقة.
- ثقة المواطن في وتيرة الإصلاح.
- ثقة الشباب في المستقبل داخل الوطن.
- ثقة النخب في أن أفكارها يمكن أن تتحول إلى سياسات.
الجبهة الداخلية لا تُدار فقط بالخطاب، بل بالإنصات، ولا تُحمى فقط بالأمن، بل بالأمل الواقعي. 2026 ستكون سنة اختبار: هل نواصل إدارة المجتمع بمنطق الاحتواء، أم ننتقل إلى منطق الإشراك الفعلي؟
ثالثًا: الاقتصاد.. بين فك الارتباط والعودة المقنّعة للريع
اقتصاديًا، تدخل الجزائر 2026 وهي ترفع شعار التنويع، لكنها لم تحسم بعد معركة فك الارتباط النفسي والهيكلي بالريع.
الأسئلة الكبرى هنا واضحة:
- هل تتحول الاستثمارات المعلنة إلى قيمة مضافة حقيقية؟
- هل يصبح الاقتصاد المنتج خيارًا لا شعارًا؟
- هل يُمنح القطاع الخاص دورًا حقيقيًا لا دورًا هامشيًا؟
2026 يمكن أن تكون سنة تثبيت المسار الاقتصادي الجديد، لا سنة القفزات، بشرط الوضوح في الرؤية، والاستقرار في القواعد، ومحاربة البيروقراطية باعتبارها عدوًا استراتيجيًا لا خللًا إداريًا عابرًا.
رابعًا: الملفات الاستراتيجية.. الجزائر في محيط متقلّب
إقليميًا ودوليًا، تتحرك الجزائر في محيط غير مستقر، حدود ملتهبة، نظام دولي متغيّر، وصراعات تُدار أحيانًا بلا قواعد.:
الرهان في 2026 ليس في لعب أدوار استعراضية، بل في:
- تثبيت موقع الجزائر كدولة توازن.
- حماية القرار الوطني من الاستقطابات الحادة.
- تحويل الثقل الدبلوماسي إلى مكاسب اقتصادية وشراكات ذكية.
السياسة الخارجية الجزائرية تمتلك رأس مال رمزي وتاريخي، لكن 2026 تتطلب ترجمة هذا الرصيد إلى نتائج ملموسة.
وماذا بعد التصويت على قانون تجريم الاستعمار؟
لا يكتمل معنى التصويت على قانون تجريم الاستعمار إذا بقي في حدود المطالبة باعترافٍ خارجي واعتذارٍ رسمي، مهما كانت رمزيتهما السياسية والأخلاقية. فقبل أن نطالب المحتل بتحمّل مسؤوليته التاريخية، نحن مطالبون – بقدر أكبر من الجدية – بتطهير ذاكرتنا الوطنية من مخلفات ذلك الاحتلال، وهي مخلفات لم تكن عسكرية فقط، بل نفسية وثقافية وإدارية، تسللت إلى الأجيال واشتغلت بصمت طويل.
إن أخطر ما خلّفه الاستعمار ليس الخراب المادي، بل الاستعمار الذي استقر في العقول: في اللغة، وفي نماذج التفكير، وفي أنماط التسيير، وفي علاقة الدولة بمواطنيها. ومن دون مواجهة هذه الرواسب بوضوح، يظل تجريم الاستعمار فعل إدانة ناقصًا، لا يرتقي إلى مستوى التحرر الكامل.
تجريم الاستعمار، في جوهره العميق، يبدأ من استكمال التحرر من لغته المهيمنة، ومن ثقافته التي قُدّمت طويلاً باعتبارها معيار الحداثة، ومن التبعية الإدارية والذهنية التي تجعلنا نكرر نماذج لا تنبع من سياقنا ولا تخدم أولوياتنا. وحين يشعر “الآخر” – المحتل سابقًا – أن الجزائر لا تكتفي بإدانة الماضي، بل تعيد بناء ذاتها خارج منطقه ورموزه، يدرك أن الأمر لم يعد خطابًا سياديًا عابرًا، بل فعلًا تاريخيًا جادًا.
في أفق 2026، يمكن لهذا القانون أن يكون نقطة انطلاق لمراجعات كبرى: في المدرسة، وفي الإدارة، وفي الثقافة، وفي منظومة القيم العامة. فاستعادة السيادة لا تكتمل بالقوانين وحدها، بل بإعادة تشكيل الوعي، لأن الأمم لا تتحرر مرتين من الاحتلال نفسه.
خامسًا: هل نعوّل على شيء في 2026؟
نعم، يمكن التعويل.. لكن بشروط.
يمكن التعويل على:
- وعي عام متزايد بأن الزمن لا ينتظر.
- طاقات شبابية لم تُستثمر بعد.
- موقع استراتيجي يمنح الجزائر هامش حركة معتبر.
لكن لا يمكن التعويل على:
- الزمن وحده.
- الخطاب دون سياسات.
- الصبر الاجتماعي بلا أفق واضح.
سنة الأسئلة الحاسمة لا الشعارات الكبيرة
2026 ليست سنة الأحلام الكبرى، بل سنة الحسم الهادئ، إما أن تكون سنة ترسيخ مسار إصلاحي واقعي، أو سنة تُضاف إلى رصيد “الفرص الممكنة التي لم تُستثمر”.
التاريخ لا يسأل الدول: هل كنتَ مستقرًا؟ بل يسألها: ماذا فعلتَ باستقرارك؟









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين