الرئيسية » مقالات الرأي » “الحديث عن الأشجار” لصهيب قسم الباري.. السينما تصارع طواحين الهواء

“الحديث عن الأشجار” لصهيب قسم الباري.. السينما تصارع طواحين الهواء

ليس غريبا أن يحصل الفيلم الوثائقي السوداني “الحديث عن الأشجار” على جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان الجونة السينمائي الدولي في دورته الثالثة، ويتوج بعدها بالتانيت الذهبي لأحسن فيلم وثائقي في مهرجان قرطاج السينمائي الدولي، وقبلها توج بجائزتَي الجمهور وأفضل فيلم وثائقي في قسم “بانوراما” في آخر دورة من مهرجان برلين السينمائي الدولي، فالمخرج صهيب قسم الباري اعتلى منصات المهرجانات ليقدم بلاده في صورة جديدة، كانت في فترة وجوده في برلين تنشد التغيير وهو ما حصل فعلا من خلال حراك شعبي أبهر العالم وأسقط نظام عمر البشير الذي جثم على قلوب السودانيين وحطم السينما في بلد ظهرت فيه الشاشة الفضية مبكرا.

غياب السينما السودانية على الأقل خلال  25 سنة الأخيرة ظل هاجسا كبيرا، فهذا البلد كل رصيده السينمائي سبعة أفلام فقط، هذا الهاجس حمله المخرج صهيب قسم الباري الذي عاد بكاميرته إلى بلده باحثا عن تجسيد تجربة سينمائية روائية ولكنه بحكم إدراكه للمشاكل التي تنتظره من طرف النظام السابق، عدل عن قراره وحول البوصلة إلى توثيق تجربة سينمائية لأربعة سينمائيين سودانيين مازالوا يحتفظون ببصيص الأمل في غد سينمائي سوداني مشرق، فهؤلاء الأصدقاء الأربعة القدامى، إبراهيم شداد والطيب مهدي ومنار الحلو وسليمان محمد إبراهيم، لم يفقدوا شرارة حماستهم حتى يومنا هذا وهم أكثر من سعداء، تجمعهم السخرية في مواجهة التحدي اليائس المتمثل في بث حياة جديدة في صالة سينما مهجورة.

تتلقف كاميرا قسم الباري تفاصيل رحلة الأربعة الذين يجمعهم عشق الفن السابع، وأسسوا جمعية الفيلم السوداني، ويبحثون في دور العرض القديمة من أجل الحصول على شاشة ملائمة، ولكن هيهات فالعراقيل البيروقراطية والمطبات وضعت في طريقهم فالسلطة ترى في الفن تهديدا لها خاصة السينما ما يجعل هذا الفن ضمن المحرمات.

لم يعد هناك حاجز بين الوثائقي والروائي وأصبح كثيرون ضد التصنيفات في السينما، وفيلم “حديث عن الأشجار” يتمرد فيه صهيب قسم الباري على الشكل التقليدي للفيلم الوثائقي متكئا على أداء تمثيلي قوي لشخوص الفيلم الأربعة، حيث لا يمكن أن تزيغ بنظرك بعيدا عن أي واحد منهم خصوصا وأن لكل واحد منهم تركيبته المميزة، مرارة السنين التي قضوها بعيدا عن فنهم وهم المعتادون على الوقوف خلف الكاميرا ليجدوا أنفسهم أمامها، ينقلون همومهم لمخرج قرر حملها رغم ما يمكن أن يكابده من صعاب وهو الذي كان يخبئ المادة الفيلمية عند والدته خوفا من الأمن.

تترنح الكاميرا بين الوثائقي والتمثيل فتعكس العلاقة بين الأصدقاء الأربعة الذين يجمعهم حب السينما، وعاشوا حقبة سيئة من تاريخ السودان يبحثون عن التحليق في سماء الحرية ومستقبل أفضل تحت أضواء السينما، أضواء أفلامهم القديمة التي حققوها قبل سنوات طويلة، تلك الصور تعود لتراودهم كبصيص أمل يتمسكون به وساخرين في نفس الوقت من حالهم ومجتمعهم المبتور من الفن، يستعيدون تلك الفترة الجميلة والابتسامة تعلو محياهم.

لم أكن أتوقع هذا الحال المزري والتفاني لهؤلاء الذين” صارعوا طواحين الهواء”، هكذا يقول صهيب قسم الباري مخرج الفيلم، ويضيف بأن القصة ملهمة لأي شخص والأبعد من هذا تلك اللحمة الموجودة بين الأربعة فتقريبا يحملون هما واحدا، نجح المخرج من وراء كاميرته في نقل تلك الصورة بشاعرية كبيرة فقد أصبح جزءًا منها وإن صح القول، فالقضية تعنيه كذلك ففي النهاية كلهم يسيرون نحو هدف واحد وهو تكسير حاجز الخوف وتحطيم الأصنام التي جثمت على صدور السودانيين لسنوات طويلة وهم الذين كانوا في الماضي يعشقون السينما، ويعد عرض فيلم عندهم بمثابة مباراة في كرة القدم واحتفالية كبيرة تستحق إعطاءها القدر الكافي من الاحترام والاهتمام.

يتعامل صهيب قسم الباري بذكاء مع شخوص فيلمه وخرج من النمط التقليدي للفيلم الوثائقي، وهنا الصعوبة في التعامل مع الجيل القديم في السينما الذي يعتقد أن التسجيلي يقترب أكثر من استنطاق الشخصيات ويميل أكثر إلى الروبورتاج، ولكن صهيب عرف طريقة أخرى وزاوية مغايرة في الطرح فرضت منطقه في العمل وأقنعت أبطال الفيلم وهي من الصعوبة بمكان ففي النهاية يتعامل هنا مع مخرجين من الرعيل الأول للسينما السودانية وكلنا يدرك منطق الأبوية على الأشياء والصراع بين الأجيال، فلكل نظرته الخاصة للسينما وطريقته الفنية في المعالجة، كل هذه الفوارق تزول في الفيلم ولا يصلنا سوى التناغم الموجود بين من يقف وراء الكاميرا وأمامها.