الرئيسية » مقالات الرأي » الديباجة.. حراك 22 فيفري وسؤال الدسترة

الديباجة.. حراك 22 فيفري وسؤال الدسترة

تعرف الديياجة بأنها  مقدمة الدستور والأرضية المذهبية التي يبنى عليها فهم أحكامه وتأويلها، وغالبا ما تأتي مختصرة ودقيقة، لأنها تتضمن أهم مبادئ المجتمع الأساسية المتصلة بوحدة الدولة والشعب والإقليم والسيادة. كما تكون بالأساس مبنية على معطى تاريخي مرجعي للدولة على غرار ثورة 1789 في الدستور الفرنسي.

لقد جاءت ديباجة المشروع التمهيدي لتعديل الدستور 2020 في ثلاثة صفحات كاملة، حيث تناولت الفقرات الجديدة مجموعة من المواضيع تمثلت على التوالي في مكافحة الفساد وحقوق الإنسان وحماية البيئة والتغيرات المناخية. إلى جانب الاتفاقيات والمعاهدات الدولية والإقليمية (العربية والإفريقية) المنبثقة عنها بتواريخها الدقيقة.

وقد أدى هذا التفصيل إلى تمييع الديباجة، كون هذه الاتفاقيات لا تحمل خصوصية للجزائر، كما أنها معرضة للتعديل أو الإلغاء، في حين كان من الأجدر محاكاة الدول ذات الديموقراطيات الراسخة والتي اعتمدت صياغة بسيطة على منوال “تلتزم الدولة بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي”.

وفي السياق نفسه، يثار الاستفهام حول إدراج لجنة الخبراء القانونيين لمصطلح (الأمن القانوني) دون سواه، حيث كان بالإمكان أيضا أمننة البيئة وحقوق الإنسان (الأمن البيئي والأمن الإنساني). والتي هي في المحصلة لاتعد سوى مصطلحات فضفاضة  (fourre tout)ليس محلها أصلا ديباحة الدستور.

أما الفقرة السياسية بامتياز فهي تلك المتضمنة للحراك والتي جاء فيها “يعبر الشعب عن حرصه على ترجمة طموحاته في هذا الدستور بإحداث تحولات اجتماعية عميقة من أجل بناء جزائر جديدة والتي عبر عنها سلميا منذ الحركة الشعبية التي انطلقت في 22 فيفري 2019 في تلاحم تام مع جيشه الوطني”.

غير أن الحقيقة هي أعمق من ذلك؛ لأن الحراك الشعبي السلمي الحضاري قد شكل لحظة فاصلة ليس وفقط بتوافق الجزائريين وذكائهم الجمعي في مسار السلمية المتواصلة والمحافظة على الوحدة الوطنية. لكن أيضا بتطلعاتهم، نحو إنهاء التسلط واستعادة الشرعية الشعبية وتكريس المواطنة الحقيقية. لذلك فإن مسألة الدسترة تستلزم ثلاثة توضيحات رئيسية:

أولا، أن محاولة السلطة القائمة على احتواء الحراك بالدسترة، من خلال نقل الحراك من الشارع إلى الدستور لامعنى له فهو بمثابة الزواج بالإكراه.. لأن سقف مطالب الحراك هو التداول الحقيقي والتغيير السياسي الجذري للنخب والممارسات، ما يسمح للجيل الجديد بتولي الحكم وليس فرض التغيير بتدوير الوجوه القديمة.

ثانيا، هنالك محطات تاريخية على غرار انتفاضة 5 أكتوبر 1988 والتي خلفت أكثر من 500 قتيل، وأدت إلى إسقاط نظام الحزب الواحد الذي عمّر أكثر من ربع قرن. ورغم ذلك، لم تدرج الانتفاضة في ديباجة دستور 1989 الذي تبنى الانفتاح السياسي والاقتصادي.

ثالثا، وهي مسألة مهمة ذات حساسية، كون أن الجزائر منذ الاستقلال قد عرفت 5 دساتير و 4 فترات استثنائية انتقالية وتعديلات دستورية متعددة. وقد كان الثابت في ديباجة كل الدساتير -باستثناء دستور1976- تضمنها تاريخ واحد أساسي ومفصلي دون غيره، هو أول نوفمبر 1954 تاريخ الثورة المجيدة والذي تستلهم منه الدولة شرعيتها ومصدر إجماعها الوطني، وهو ما عبرت عنه الديباجة بـ “وكان أول نوفمبر 1954 نقطة تحول فاصلة في تقرير مصيرها وتتويجا عظيما لمقاومة ضروس…”. وقد بقي دوما بمعزل عن تغير موازين القوى وتجاذبات المنتظم السياسي.

وفي الخلاصة، يجب أن تبقى ديباجة الدستور تعكس هوية الدولة متمحورة حول تاريخها ومرجعيتها المستمدة بصفة أبدية Eternelle فقط من تاريخ أول نوفمبر 1954 لا غير، و محمية من اختراقها من المفاهيم المعولمة غير المحايدة، وأن لا تعكس في أي حال الادراكات السلطوية الظرفية Circonstancielles  كتوظيف القيمة الرمزية لحراك 22 فيفري لشرعنة النظام ومراحله الجديدة، وإلا لن يكون لكل رئيس دستوره فقط، بل أيضا حدث تاريخي يصوغ به نظام حكمه.

الدكتور/ وحيد غبغوب أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر 3

عدد التعليقات: 1

  1. هناك نقطة أخرى في الديباجة، لا تزال تطرح إشكالا كبيرة وهي تتعلق بوصف الجزائر بكونها “أرض عربية” وجزء من المغرب “العربي”. هذه العبارات تم حذفها في الدستور المغربي خلال تعديلات 2011 باعتبارها تتناقض مع الاعتراف بالامازيغية لغة وطنية ورسمية إلى جانب العربية وبكون الهوية المغربية جامعة لكل المغاربة. فالمؤسس الدستوري المغربي لم ينسب أرض المغرب لأي قومية أو عرق وأقر كونها أرض أفريقية متوسطية، لا أرض عربية ولا أمازيغية، وذكر تسمية المغرب “الكبير”، تفاديا لأي صراعات. في حين أن هذه العبارات لا تزال موجودة في ديباجة الدستور الجزائري وهذا ما يجعل النقاش حول الهوية مستمرا الى حين، وكان بالإمكان الانتهاء من هذا الجدل نهائيا من خلال تكريس المصطلحات الجامعة والمرتبطة بتاريخ وجغرافيا منطقة شمال أفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.