لقد استوقفنا حدث غير منتظر على الإطلاق، في الأسبوع المنصرم، وهو اعتراف “إسرائيل” بدولة أرض الصومال (Somaliland)، الكيان المنشق عن الصومال، الذي كان محل استهزاء شعوب المنطقة وباقي العالم، وذهب بعضهم إلى الاستخفاف بالحدث، لكونه على حسب زعمهم، منعزل وجانبي، وهذا هو الانطباع عندما نقرأ الحدث في عزلته.

لكن عندما ننظر إلى منطقة القرن الإفريقي نظرة كلية، شاملة، متبصرة، بتضاريسها الجغرافية، وبسياقها السياسي وخلفياتها الصراعية، يظهر لنا شيئا آخر، صراع من نوع آخر، ذو أبعاد إستراتيجية وتكتيكية على المدى القريب والمتوسط والبعيد.

الخطوة أثارت إدانات واسعة من الصومال والاتحاد الإفريقي وتركيا ومصر والجزائر ودول عربية أخرى، التي تراها انتهاكا لسيادة الصومال وتهديدا للاستقرار الإقليمي.

الوضع يعكس توازنات جيوسياسية معقدة في القرن الإفريقي، مع مصالح متداخلة للإمارات، والولايات المتحدة و”إسرائيل”، وكل هذا تحت متابعة أمريكية حثيثة للوضع، بحيث أن الرئيس دونالد ترمب رفض الاعتراف بدولة أرض الصومال “في الوقت الحالي”.

سأستعرض هنا ثلاث بؤرات في منطقة القرن الإفريقي، كي نفهم مآلاتها، ومن يحركها ومن هو المستفيد منها.

نحو تجزئة اليمن

يشهد الوضع توترا عسكريا وسياسيا حادا منذ بداية ديسمبر 2025، في محافظتي المهرة وحضرموت شرق اليمن، فقوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنشق (STC)، المدعوم من الإمارات العربية المتحدة، والذي يسعى لاستعادة دولة جنوبية مستقلة، على أهبة إعادة تأسيس اليمن الجنوبي، وسط دعم إماراتي وسخط سعودي متنامي، مهددة باجتياح بري.

سيطرت قوات المجلس الانتقالي المنشق (بما فيها قوات النخبة الحضرمية) على معظم مناطق وادي حضرموت (مثل سيئون وتريم)، وعلى محافظة المهرة بأكملها (بما فيها العاصمة الغيضة وميناء نشطون)، دون مقاومة كبيرة في البداية، ما ينبئ بضعف القبائل العربية في المنطقة، هذا ما أعطى المجلس الانتقالي المنشق سيطرة على نحو نصف أراضي اليمن، بما فيها مناطق نفطية هامة، ورفض المجلس الانتقالي المنشق مطالب السعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دوليا بالانسحاب، معتبرا عملياته “تأمينا” للمناطق.

اندلعت اشتباكات متفرقة مع قبائل حضرموت وقوى مرتبطة بالسعودية، أسفرت عن قتلى في 26 ديسمبر.

بالنسبة لآخر التحركات العسكرية على حسب آخر الأخبار، حشدت السعودية قوات كبيرة على الحدود، مع طلعات جوية فوق حضرموت، تجددت اشتباكات في مناطق مثل الشحر، كللت بضربة عسكرية سعودية على ميناء المكلا، في محافظة حضرموت اليوم.

بالنسبة للخلفية السياسية، فبعمق الصراع والعداوة بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في التحالف المعادي للحوثيين، فالوضع هش، وقد يؤدي إلى تصعيد أوسع إذا لم تنجح الوساطات السعودية-الإماراتية.

قوات الدعم السريع والسباق نحو البحر الأحمر

نأتي الآن إلى الحرب السودانية، بين القوات الحكومية التي يقودها البرهان، وقوات الدعم السريع (الجانجويد سابقا)، التي يقودها محمد حمدان دغلو، المدعو حميدتي، وتسيطر قوات الدعم السريع (RSF) المدعومة إماراتيا، حسب معظم التقارير الإخبارية والاستخبارية على معظم المناطق الغربية في السودان، مع تقدم مستمر في إقليم كردفان، بينما يسيطر الجيش السوداني (SAF) على الشرق والشمال والوسط، بما في ذلك العاصمة الخرطوم ومدنها الثلاث.

تسيطر قوات الدعم السريع على إقليم دارفور بالكامل تقريبا: الخمس ولايات (شمال دارفور، جنوب دارفور، غرب دارفور، شرق دارفور، وسط دارفور)، بما في ذلك مدن رئيسية مثل الفاشر، ونيالا (عاصمة إدارتها البديلة)، والجنينة، حيث معسكرات اللاجئين.

هناك بعض المناطق الحدودية الشمالية في شمال دارفور (مثل أم برو وكرنوي) لا تزال متنازع عليها أو تحت نفوذ قوات مشتركة حليفة للجيش.

بالنسبة لإقليم كردفان فهو يقعد تحت سيطرة قوات الدعم السريع أيضا، بما في ذلك أجزاء كبيرة من منطقة كردفان.

التقسيم الجغرافي يعكس انقساما شرق-غرب شبه دائم، مع مخاطر تقسيم البلاد فعليا، مع مخاوف من اجتياح قوات الدعم السريع لولاية البحر الأحمر، حيث يتواجد أكبر ميناء في مدينة بورسودان الحيوي والاستراتيجي.

مآرب الاعتراف بصوماليلاند

أهداف “إسرائيل” الرئيسية وراء الاعتراف الرسمي بـ”أرض الصومال” (صوماليلاند) كدولة مستقلة في 26 ديسمبر 2025 لدواعي استراتيجية وأمنية واقتصادية، مع تركيز كبير على موقع الإقليم الجغرافي المطل على خليج عدن ومضيق باب المندب، أحد أهم ممرات الشحن العالمية، هذا الممر الذي يستحوذ على نحو 12% من التجارة البحرية العالمية، علما أن 80% من التجارة العالمية تمر عبر البحر.

بالنسبة للأهداف الاستراتيجية والأمنية الرئيسية، فهي تتمثل في مواجهة التهديدات من الحوثيين في اليمن، الذي أربك الاقتصاد “الإسرائيلي” لعدة أشهر، ويعتبر هذا الدافع الأبرز، حيث تقع أرض الصومال مقابل اليمن عبر خليج عدن.

يمكن أن يوفر الإقليم قاعدة أمامية لجمع المعلومات الاستخباراتية، مراقبة تسليح الحوثيين (المدعومين من إيران)، وإطلاق عمليات مباشرة ضد هجماتهم على السفن أو “إسرائيل”.

تقارير من المعهد القومي للدراسات الأمنية الإسرائيلي (INSS) ووسائل إعلام مثل رويترز والغارديان تؤكد أن “إسرائيل” بحاجة إلى حلفاء في منطقة البحر الأحمر لأغراض أمنية، خاصة بعد تبادل الضربات مع الحوثيين منذ 2023.

إن تعزيز الوجود “الإسرائيلي” في البحر الأحمر ومضيق باب المندب: المضيق يمر منه نحو 10-12% من التجارة العالمية، ويعد نقطة اختناق حيوية، مقابل اعترافها لدولة أرض الصومال، يمنح “إسرائيل” موطئ قدم قريبا من هذا الممر، مع إمكانية الوصول إلى ميناء بربرة (الذي طورته الإمارات)، مما يعزز الأمن البحري والتجاري، ويوازن نفوذ دول مثل الصين (لها قاعدة في جيبوتي) ويهمش الدور التركي التي تمتلك قاعدة في الصومال، وبالتالي سيشكل هذا التوغل في القرن الإفريقي خطر داهم على المملكة العربية السعودية ومصر.