الرئيسية » مقالات الرأي » الصحافة في الجزائر.. راهن مقلق وأفق مسدود!

الصحافة في الجزائر.. راهن مقلق وأفق مسدود!

الصحافة في الجزائر.. راهن مقلق وأفق مسدود!

قضية الصحفي خالد درارني الموقوف منذ نهاية شهر مارس الماضي والمحكوم عليه مؤخرا بسنتين حبسا نافذا وغرامة مالية، أحدثت موجة غضب وتشاؤم من وضع حرية الصحافة في الجزائر، حيث أطلق العاملون في القطاع صفارات الإنذار وأبدوا امتعاضهم مما سموه تجنّي على الصحفي وعلى مهنة الصحافة في البلاد، في ظل مناخ سياسي يبدو غير مستقر، ومشهد إعلامي يخضع للتضييق، بعد سلسلة من الاعتقالات التي لاحقت عددا من الصحفيين منذ بداية الحراك ومازالت مستمرة إلى اليوم، وغلق عديد المؤسسات الإعلامية.

ورغم تصاعد التعبئة في الجزائر ودول عدة من المغرب العربي والعالم، ودعوات المجتمع الدولي لإطلاق سراح الصحفي، إلا أن القضاء الجزائري قرر إدانة درارني بسنتين حبسا نافذا بعد متابعته بتهمتي “المساس بالوحدة الوطنية والتحريض على التجمهر”، وهو ما عدّه متابعون للشأن الإعلامي أنه رسالة مشفرة لباقي الصحفيين خاصة أولئك الذين يغطون الحراك الشعبي في الجزائر، بالانصياع لقرارات السلطة والتوقف عن نقل المظاهرات المناهضة للنظام والوضع القائم أو التعرض للاعتقال تحت تهم جاهزة تندرج في “المساس بالوحدة الوطنية” و”التحريض على التجمهر”.

وصدر الحكم في حق درارني في ظل حملة طالت الصحافيين والمدونين والناشطين في الحراك، حيث تعرض بعضهم للاحتجاز وزُج بآخرين في الحبس المؤقت، وحكم على البعض الآخر بالسجن مثلما حدث مع درارني والصحفي والناشط عبد الكريم زغيليش مدير إذاعة “سارباكان” المدان بالحبس عامين بتهمة “المساس بالوحدة الوطنية” وهي التهمة التي باتت تلصق بجميع الصحفيين والناشطين المعتقلين.

ونظم مجموعة من الصحفيين والناشطين وقفات احتجاجية داخل وخارج الوطن طالبوا خلالها بـ”استقلالية القضاء ورفع القيود عن الصحافة وإطلاق سراح المعتقلين”، واعتبروا ممارسات التضييق على الصحفيين اعتداءً صارخا على حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير، حيث قال المحامي عبد الغني بادي في تصريحات إعلامية “هذه القرارات لا يمكنها أن تؤسس للحريات الأساسية للمواطن، ولا أن تدعم حرية الصحافة.. علينا أن نعمل جميعا من أجل جزائر لا يداس فيها على الصحافة والحريات الأساسية”.

وعلّق الصحفي محمود بلحيمر على الوضع الراهن للصحافة قائلا “حزين عندما أرى في الجزائر صحفي يُسجن لأنه قام بعمله. حزين لكون مثل هذه التهم “المساس بالوحدة الوطنية” و”التحريض على التجمهر غير المسلح” لا تزال توجّه للصحفيين ولكل من يُعبّر عن رأيه حول الوضع في البلاد”.

ومن جهة أخرى نفى وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة، عمار بلحيمر، وجود سجناء رأي في الجزائر خلال رده على سؤال بخصوص الاعتقالات التي طالت عددا من الصحفيين، وأكد بلحيمر أن القضية لا تتعلق حسب تصنيف الوقائع بالممارسة الحرة لمهنة الصحفي، مشيرا إلى أن أي محاولة لاستغلال مهنة الصحافة أو إخراجها عن سبيلها الصحيح يعتبر مساسا بحق المواطن في المعلومة.

التنمر الإلكتروني

ويعاني الصحفيون في الجزائر كما في بقية دول العالم من ممارسات مشينة تستهدفهم مثل السب والشتم وحملات كراهية وتشويه السمعة لاسيما خلال فترة الحراك الشعبي، ومازالت ممارسات التضييق تلاحق الصحفيين في الجزائر، حيث تعرض بعضهم إلى تهديدات على مواقع التواصل الاجتماعي وصلت إلى حد القتل، كما حدث لصحفية الوطن الناطقة بالفرنسية “زينب أوبوشو” المعروفة باسم “سليمة تلمساني” التي تعرضت لتهديدات بالتصفية الجسدية عقب نشر الصحيفة لتحقيق يرصد تفاصيل ثروة نجلي رئيس أركان الجيش الراحل أحمد قايد صالح.

وفي السياق ذاته يقول كريستوف دولوار، أمين عام مراسلون بلا حدود: “الهرسلة الالكترونيّة ظاهرة تنتشر على الصعيد الدولي، وتمثّل اليوم أحد أخطر التهديدات على حريّة الصحافة.. أعداء الصحافة أسسوا جيوشا الكترونية لمهاجمة وإضعاف كل الذين يسعون إلى الحقائق بصدق بإطلاق رصاص حيّ عليهم في العالم الافتراضي، تماما كما يفعل آخرون في ميدان الحرب”.

وهذه الممارسات في الحقيقة تدفع الصحفيين بقصد أو غير قصد إلى ممارسة الرقابة الذاتية على كتاباتهم، أو اللجوء إلى حيل للتنصل من هجمات الكراهية و”التعنيف الالكتروني” لمواصلة إيصال صوت الحقيقة إلى المواطن، وقد نجم عن هذا الوضع الفجّ من القمع والتضييق على الصحفيين تراجع الجزائر بـ5 مراكز في التصنيف العالمي لحرية الصحافة باحتلالها المرتبة 146 في نسخة 2020 بعد أن كانت تحتل المرتبة 141 في 2019.

شبح البطالة.. كابوس بات يؤرق الصحفيين في الجزائر

وإلى جانب مطرقة السجن وسندان التنمر الالكتروني، بات شبح البطالة يؤرق أكثر من أي وقت مضى عشرات الصحفيين في الجزائر، لاسيما بعد مخلفات الحراك الشعبي في الجزائر وسلسلة الملاحقات التي مست عددا من مالكي المؤسسات الإعلامية الخاصة والزج بهم في السجن، وقطع الإشهار العمومي عن هذه المؤسسات، ما دفعها أوتوماتيكيا إلى إيصاد أبوابها وتسريح العشرات من الصحفيين والعاملين بالقطاع، مثلما حدث مع مجمع الصحافة الوقت الجديد على سبيل المثال لا الحصر، الذي أقدمت إدارته على تسريح ما يقارب 400 عامل دون حصولهم على حق التعويض المعنوي والمادي.

ففي ظل الأزمة المالية الخانقة التي عصفت بالعديد من الجرائد والقنوات التلفزيونية، حُرم أكثر من 1000 صحفي من رواتبهم لمدة تقارب السنة وفقد آخرون مناصب عملهم، حسب تقرير للمجلس الوطني للصحفيين الجزائريين، وهي نتيجة حتمية للنشأة غير السليمة للعديد من مؤسسات القطاع الخاص في مجال السمعي البصري، بإقدام السلطة منذ سنة 2011 على الزج بقنوات تلفزيونية في المشهد الإعلامي الجزائري في محاولة لتمرير رسائل الانفتاح وامتصاص موجة الغضب التي ضربت وقتها العديد من البلدان العربية، دون مراعاة أسس متينة وقراءة استشرافية لمآل هذه المؤسسات مستقبلا ومصير الصحفيين المنتمين إليها.

مستقبل مبهم ووعود عالقة في رفوف مكتب الرئيس

ومنذ أن صرّح الرئيس عبد المجيد تبون في أول خطاب له شهر ديسمبر 2019 القاضي بحماية حرية الصحافة ودعمها، والفاعلون في قطاع الإعلام ينتظرون تجسيد هذه الوعود على أرض الواقع، وفي الوقت الذي تقبع فيه وعود الجزائر الجديدة في الرّف، تجرّ السلطة الصحفيين والناشطين إلى السجن وتلوّح بعصا الإشهار العمومي تجاه مالكي المؤسسات الإعلامية والعاملين بها.

وإن كانت وزارة الاتصال قدمت مبادرات لإصلاح القطاع ووضع معايير لاستفادة المؤسسات الإعلامية من الإشهار العمومي، إلا أن الإشهار مازال وسيلة ضغط على هذه المؤسسات، ويؤثر بشكل مباشر على استقلاليتها التحريرية في ظل معايير غامضة مازالت تخيّم على المشهد الإعلامي من ناحية التمويل، فقرارات قطع الإشهار عن صحيفة ورفع حصص صحف أخرى تصدر في الخفاء وبأسلوب يكتنفه الكثير من الغموض، ومازال السؤال يطرح: على أي أسس يتم منح شهادة الميلاد لصحيفة ومن يوقّع وثيقة وفاة صحيفة أخرى؟.

وأبدى متابعون للمشهد الإعلامي في الجزائر قلقهم من الوضع الذي آل إليه الحقل الصحفي في البلاد، وطالبوا الحكومة باتخاذ التدابير اللازمة لإيجاد حلول عاجلة لإصلاح القطاع، وفي هذا الصدد قال أنتوني بيلانجي، أمين عام الاتحاد الدولي للصحافيين “نتطلع لأن تحوّل الحكومة الجزائرية الالتزامات التي أطلقتها في بداية عهدها، وخلال عملية المشاورات لإصلاح قطاع الاعلام ودعم استقلالية الصحافة إلى اجراءات واضحة تدعم الصحفيين وقطاع الاعلام، وتحميه من التدخلات السياسية”.

ويرى فاعلون في القطاع بضرورة إجراء الحكومة الحالية قطيعة مع الممارسات المنتهجة في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، ووضع أطر قانونية لمؤسسات القطاع الخاص، وإعادة النظر في مؤسسات القطاع العمومي ونمط التوظيف بها والمحتوى الذي تقدمه، إلى جانب سن قوانين لتنظيم قطاع الإشهار ورفع القيود عن حرية الصحافة والعاملين بها من أجل إنقاذ هذه المهنة من زوال محتوم في حال استمرار الوضع على حاله في البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.