الرئيسية » مقالات الرأي » العمران ليس مجرد إسمنت.. لماذا غابت الهوية والثقافة والإنسان من عمران الجزائر؟

العمران ليس مجرد إسمنت.. لماذا غابت الهوية والثقافة والإنسان من عمران الجزائر؟

قصبة الجزائر

يقول وينستن تشرشل، زعيم بريطانيا في الحرب العالمية الثانية، في وصفه لمجلس العموم، إن هيكله وهندسته تجسدان سياسات بريطانيا، ونظام حكمها، ويضيف “نقوم بتشكيل مبانينا وبعد ذلك هي من تشكلنا”.

جاءت هذه المقولة بعد قصف المبنى، من طرف الألمان، وبعد التشاور حول إعادة بناء البرلمان، في شكله القديم أو تجديده. قرر تشرشل إبقاءه كما كان، محافظا على الطراز الهندسي القديم، والشكل المستطيلي للمجلس، والمساحات الضيقة، التي اشتهر بها البرلمان البريطاني. أصر تشرشل على أن شكل الغرفة القديمة كان مسؤولاً عن نظام الحزبين، الذي هو جوهر الديمقراطية البرلمانية البريطانية.

هذه النظرية القائلة بأن شكل البرلمان يعكس طبيعة الحكم، والتشريع ليست جديدة، بل هناك الكثير من الأمثلة التي تدعمها، فعلى سبيل المثال في مجلس “الدوما” برلمان روسيا، يجلس النواب على خط واحد، يعكس إرث روسيا السياسي، في أحادية الحكم، من أيام الحزب الواحد في الاتحاد السوفياتي. نرى هذا النسق في الكثير من الدول ذات الإرث الشيوعي كالصين وفيتنام. أما دول ”الكومنولث” فتبنت تصاميم مشابهة لمجلس العموم البريطاني، والذي صُمم لجعل الحزبين الأكبرين في مواجهة بعضهما البعض، والذي يزيد من إمكانية النقاش المباشر، والحاد بين الطرفين. أما البرلمان الأوروبي فيجلس نوابه في شكل دائرة متكاملة، ترمز لوحدة دول الاتحاد الأوروبي، والتساوي بينهم.

 لم تصمم هذه المباني بشكل عشوائي، وإنما رسمت حسب الغاية العملية، والسياسية منها. لا يقتصر هذا على البرلمانات فقط، وإنما يخص المباني الحكومية كلها، لأن لها وظيفة سياسية محددة، إضافة إلى الرمزية التي تعنيها، كونها تمثل الدولة، والأمة جمعاء.

قصر الرئاسة، البرلمان، الوزارات، والمعالم الوطنية، تمثل هذه المنشآت الهوية المعمارية للدولة، يراها المواطن كممثلته أمام العالم، فالعمران في جوهره هو صنع البيئة المادية، التي يعيش فيها الإنسان، ولكنه في حقيقة الأمر أكثر من ذلك، فالعمران منشئ للثقافة، وواجهتها. فتجدنا نحكم على الحضارات من خلال منشآتها.

أدركت الحضارات عبر العصور الأهمية الرمزية، لبنايات الحكم، فلطالما تباهت هذه الحضارات، بقدرتها وإبداعها عبر التصاميم الهندسية لقصور الحكم وما شابهها، حيث كانت تعبر هذه البنايات عن هيبة الدولة.

لا يختلف الحال كثيرا في عالمنا اليوم، تتفاخر الدول بثقافتها الهندسية، عبر هذه البنايات، وتوظف هذا داخليا لترسيخ الهوية الوطنية، ولتقوية التماسك الاجتماعي. أما خارجياً فيتعلق الأمر بما يُعرف ببناء الهوية البصرية للأمم، وتأثير ذلك على سمعتها. تعتبر الهوية البصرية جزءا من القوى الناعمة التي تستخدمها الدول للتأثير ديبلوماسيا، ولجلب الاستثمار والسياحة. تُعرف الدول بقوى ناعمة أخرى أيضا، تُعرف ألمانيا مثلا، بصناعة السيارات المميزة، وفرنسا بالأزياء والفنون، وإيطاليا بأكلها المميز، ومركباتها الفاخرة. ولكل من هذه الدول هوية معمارية لا تخطئها عين.  لا تختلف الهندسة المعمارية عن هذه المجالات بل قد تكون أهمها، نظراً للعنصر المرئي البارز والثابت الذي تتمتع به.

وزير الداخلية: الدولة ستتكفل بجميع المباني المتضررة

لم تنتج العمارة من فراغ، بل هي نتيجة تراكمات تاريخية، واقتصادية واجتماعية ودينية وإرادة سياسية. فقد تعبر لوحدها عن تاريخ الدولة، أو عن وضعها الاقتصادي، أو نظامها السياسي. ويعكس التخطيط العمراني للدولة بشكل عام حالتها الحضارية، ورؤيتها لهويتها. فالدول المتقدمة تتمتع بتناسق في البنيان، وبتخطيط منظم لجميع مرافق الحياة، بالإضافة إلى جمالية وإبداع التصميم. أما العشوائية في التخطيط، والبناء، فهي لا محالة، مؤشر على التخلف، وتؤثر جليا على المجتمع بشكل سلبي، وتعرقل عملية إنتاجه.

ماذا عن الجزائر؟

 ما تركه الاستعمار الفرنسي من أبنية في الجزائر، يعكس الهوية الأوروبية عموما، والفرنسية على الخصوص. يُستثنى من ذلك بعض المباني القليلة، كالبريد المركزي في العاصمة، أو مقر ولاية الجزائر العاصمة أو بعض المباني هنا وهناك، والتي كان يراد من بنائها المزاوجة بين العمارة الأوروبية والعمارة الأندلسية.

أما ما بنته الجزائر المستقلة منذ 1962، فهو مدن متراصة وأحياء للنوم، لا حياة فيها ولا هوية، مقرات حكومية هي عبارة عن مكاتب إدارية بيروقراطية، لا علاقة لها بالثقافة والهوية. نكاد لا نجد شارعا معروفا، مرصوفا، مزينا بالأشجار الباسقة، ومحاطا بالأبنية الجميلة. كل ما هنالك، تراكمات إسمنتية لا روح فيها، وكثافة بشرية غابت معها سمات المودة والتآلف.

وحتى فيما يخص الأسماء، اكتفينا بأرقام جامدة تطلق على الأحياء الجديدة، كمثل “حي 350 سكن أو ألف سكن”، وهكذا، غفلنا، أن نسميها بأسماء الشهداء والمجاهدين والعلماء الكثيرة، إلا ما ندر. فبقيت تلك المباني والأحياء أجساما خرسانية ورثناها من العهد الاشتراكي، الذي كان يستنسخ الأحياء المتشابهة في كل الولايات، دون هوية، أو مرجعية بصرية أو ثقافية. انعكس هذا كله على سلوك الإنسان وتصرفاته، فغابت الألفة، والهوية والمرجعية، وتهاوت معها أحياؤنا القديمة التي كانت تعج بالحياة وتزخر بالهوية الوطنية، أصبحت قصبة الجزائر مجرد أطلال أو تكاد، واندثرت أحياء أخرى في مدن أخرى، ولا من مغيث.

هكذا في علاقة ثنائية متبادلة بين الإنسان والعمران “نقوم بتشكيل مبانينا وبعد ذلك هي من تشكلنا “، هوية وثقافة وإنسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.