الرئيسية » تحقيقات وتقارير » المترشحون والثقافة.. خطان متوازيان

المترشحون والثقافة.. خطان متوازيان

المترشحون والثقافة.. خطان متوازيان

مفهوم الثقافة عند المترشحين للانتخابات الرئاسية في الجزائر يبدو مجهولا، ولا يندرج ضمن نطاق اهتمامهم، فالثقافة عندهم شيء كمالي لا يستحق تحديد برنامج له أو بالأحرى هناك أمور أهم من المسرح والسينما والكتاب، ويكفي أن تستمع للمترشح عبد المجيد تبون وهو يقول “الثقافة ليست سينما ومسرح بل علينا أن نشجع الشباب ونعلمهم كيف يكتبون الشعر”، مثل هذا الكلام كافٍ ليلخص حجم المأساة الثقافية التي يتخبط فيها المترشحون بما فيهم من كانوا تحت قبعة الثقافة يوما ما، في صورة عز الدين ميهوبي الذي اختصر الثقافة في بناء المتاحف عبر كل البلديات.

نظام يشوه مفهوم الثقافة

يعتقد الروائي سمير قسيمي أن الثقافة جوهر ولب المشكل السياسي في الجزائر،  وأي إنسان عاقل يفهم في المنطق، يدرك تماما أن تحييد الثقافة أو محاولة تهميشها، يخلق سلطة قوية في الظاهر، خاوية في الداخل، تماما كما يخلق مجتمعا اتكاليا غير مبدع، لهذا يجد المتحدث أن الثقافة بعيدة عن اهتمامات المترشحين، ويضيف: “يؤكد التاريخ أن النظم الاستبدادية تعمل قبل أي شيء على تشويه مفهوم الشعب للثقافة وتركز فقط على الجانب الفلكلوري للمصطلح، حتى يبدو للناس أن الثقافة شيء كمالي يمكن الاستغناء عنه، فهو بالنسبة لهم مجرد هرج ومرج لا غير، وهو أمر معمول به في جميع الدول المتخلفة وفي جميع الأنظمة الاستبدادية الكافرة بالرأي الآخر وبالمثقف النقدي، والتي ترى ألا يجد أن يتعدى دور المثقف دور البهلوان سمير الحاكم، يضحكه، يبهجه ويسامره.”

ويرى قسيمي أنه في الدول المتحضرة، تصنع الثقافة أنماط حياة الدول، هي وحدها من تبرر وجود سياسة وطنية من عدمها، لأنها روح الأمة، في هذه الدول لا ترغب السلطة في إنتاج مواطن اتكالي غير مبدع، لا يضيف شيئا إلى مجتمعه، لهذا تجد أن فيها يقوى المجتمع المدني ويُشكل قوى ضاغطة تتحكم في سيرورة الحكم وتفرض ما يجب فرضه على السلطة والمعارضة في آن واحد، فالمجتمع المثقف هو الضمان الوحيد لبقاء واستمرار الديمقراطية وحتى الأمن، فالكثير من الدول الغربية تمكنت من القضاء على الإرهاب مثلا، فقط حين منحت أغلفة مالية كبرى لقطاع الثقافة لإدراكها أن الفكر الظلامي لا يُحارب فقط بالقوة النارية، بل أيضا وقبلها بالتوعية والثقافة.

جهل بالمشروع الثقافي

يؤكد الكاتب عيسى شريط أن غياب المشروع الثقافي لدى كل المترشحين يُعرّي مدى جهل هؤلاء بأهمية ذلك في ترقية المجتمعات والدول من كل النواحي، معتبرا أن المشروع الثقافي هو الأساس الصلب، والحاسم الذي يضمن تطوّر كل القطاعات الأخرى، فلا يمكن النهوض بالقطاع الاقتصادي مثلا، في غياب بيئة ملائمة تستوعب وتحتضن كل فكرة تسعى للتغيير، والبيئة هنا هي توفر واستعداد الإنسان قبل الوسائل الأخرى، فكيف لنا النهوض بالاقتصاد، أو ترقية المجتمع في ظل بيئة بشرية تَعتبر أفعال الفساد من “رشوة، وغش، ونهب، ومحسوبية، ولاعدالة” من قيم المهارات الجاذبة للثروة والنجاح؟

ويضيف عيسى شريط : “مثل هذه البيئة المساعدة على الرقي، لا يمكن لأي مشروع توفيرها باستثناء المشروع الثقافي حيث نبع الإبداع والاختراع. وهو المشروع الوحيد الذي يمكنه إعداد الإنسان الملائم والمناسب الذي يوفر إمكانية النهوض والارتقاء بالمجالات الأخرى. فقبل الحديث إذن، عن أي اصلاح، يجب إصلاح الإنسان المادة الخام الأولية والأساسية في كل تطور، وهنا تتجلى أهمية الثقافة بامتياز.”

ويرى عيسى شريط أنه منذ الاستقلال أُهمل الإنسان الجزائري، وعملت الدولة على تلقينه الحروف الأبجدية ليكتفي بالقراءة والكتابة بعيدا عن ترقية خياله وحسه الفني والإبداعي، وعملت على اغتيال عقله بتوظيف كل الوسائل مهما كانت طبيعتها، في حين أطلقت الدول الواعية بأهمية المشروع الثقافي،  ما أسمته “ثورة ثقافية”، وها هي الآن تجني ثمار ذلك في شتى المجالات، “الصين أُنموذجا”.

ويختم شريط حديثه بالقول أن سبب غياب المشروع الثقافي لدى المترشحين هو جهلهم بأهميته من جهة، وافتقارهم لمشاريع حقيقية يمكنها المساهمة في إخراج البلاد من محنتها من جهة أخرى.

علبة بانادورا

يعتقد الكاتب محمد بن جبار أنه يجب محاولة النأي عن جدلية السياسي/الثقافي وعدم التطرق إليها نظرا للظروف غير الطبيعية حيث يُحاول النظام ترميم انهياره الوشيك والتمسك بأدنى الحاجيات بغية استمرار النظام الفاسد وتجديد جلدته تحت ديكور متعدد، فالثقافة في الوضع الحالي أشبه بـ”علبة باندورا” يجب الإبقاء عليها مغلقة لأنهم ليسوا بحاجة إلى صداع آخر وأعباء أخرى لا يُجيدون مواجهتها، فالثقافة في برامجهم تم تجاهلها من طرف مترشحي النظام لأسباب منطقية، فكل واحد منهم يشعر أنه ليس حرا بما يكفي لتناول معضلة تتعارض وتوجهاتهم السلطوية.

ويرى بن جبار أن المترشحين يشعرون بالسخط العام ويقظة الشعور الجمعي والوعي العام وذلك مرده إلى المثقفين الأحرار الذين وقفوا وعارضوا الخيارات التي طرحها النظام لاستمالة المجتمع ونخبته، لكن المثقفين الحراكيين عرفوا كيف تتم مواجهة الحملات التي كانت تارة بالترهيب وتارة بالترغيب، وقد طالت أساليب التشويه والشيطنة فئة عريضة منهم، لذلك فمترشحو الرئاسيات مهما كانت نزعتهم وميولاتهم يريدون الوصول إلى ساعة الحسم بغض النظر عن برامجهم، يعلمون أنهم مجرد لاعبين لأدوار ثانوية في مسرح العبث، فالثقافة ومسائلها تأتي بشكل عفوي وتلقائي في مناخ تسوده الحرية والديموقراطية والاختلاف، وفي بيئة غير متأزمة وغير عدوانية تجاه الثقافة والمثقفين، أكثر من ذلك لم  تشهد الجزائر منذ الاستقلال أي نقاش سياسي وثقافي حقيقي نظرا لطبيعة الأنظمة المتعاقبة التي عملت كل ما في وسعها لإفراغ الحياة المجتمعية والسياسية من محتواها الثقافي، لذلك لن ننتظر شيئا سوى تكريس ثقافة الفساد والمفسدين.

الثقافة في خطاباتهم

من جهته يعتبر السيناريست سفيان دحماني أن عدو الثقافة هو أبرز المترشحين للرئاسيات في إشارة لعز الدين ميهوبي، مضيفا أن عبد المجيد تبون ربما هو الاستثناء الوحيد حين تكلم عن السينما في عدة مرات ولكن دون أن ننسى أنه كان وزيرا أولا ولم يفعل شيئا لقطاع الثقافة، بالتالي حديثه عن الثقافة يدخل ربما في خانة استمالة المثقفين إلى صفه.

ويرى دحماني أن المترشحين لسباق الرئاسيات في الجزائر لا يعرفون أصلا حجم وقيمة الثقافة في بناء دولة، مع العلم أن الساسة يدركون جيدا أن الطبقة المثقفة هي عدوة ومعارضة لهم فالنخبة المثقفة هي من تقود التغيير، لذلك السياسيون لا يريدون للطبقة المثقفة أن تكبر.