الرئيسية » الأخبار » المخرج صهيب قسم الباري لأوراس: انتصار الشعب السوداني على النظام أعظم من تتويج الفيلم

المخرج صهيب قسم الباري لأوراس: انتصار الشعب السوداني على النظام أعظم من تتويج الفيلم

على هامش مهرجان مهرجان الجونة السينمائي الدولي في دورته الثالثة المنعقدة بين 20 و 27 سبتمبر 2019، يغوص المخرج السوداني صهيب قسم الباري في تفاصيل وكواليس تصوير فيلمه “الحديث عن الأشجار” المتوج بجائزة الجونة الذهبية لأحسن فيلم وثائقي، ويتحدث عن لقائه الأول بالسينمائيين الأربعة الذي صارعوا طواحين الهواء، وعن صعوبات التصوير في ظل عراقيل بيروقراطية ونظام يحكم السودان لا يؤمن بشيء اسمه السينما.

بداية لماذا “الحديث عن الأشجار”؟

العنوان مقتبس من قصيدة للمسرحي الكبير بيرتولت بريخت والتي تقول “أي زمنٍ هذا ؟ الحديث عن الأشجار يوشك أن يكون جريمة، لأنه يعني الصمت على جرائم أشد هولاً”، والذي كان يرددها كثيرا في بداية التسعينات مع حدوث الانقلاب في السودان والذي جعله يفقد عمله وصديقه الذي مات تحت التعذيب، كان يرددها دائما بنغمة حزينة وفي الفيلم يرددها “منار” أحد الشخصيات قبل نومه على سطح قاعة السينما، وبالنسبة لي تأملت فيها كثيرا وأحسست أن العبارة تحمل رمزية كبيرة وتعكس الصراع الداخلي داخل الفنان نفسه خاصة اللحظات التي تسيطر فيها الفاشية ويصبح الفنان أمام محك داخلي صعب جدا، بين أن يمارس فنه ومعناه تقديم تنازلات خاصة في مساحات الحرية الكاذبة أي شبح الحرية، والمجموعة اختارت الطريق الصعبة وكلفتهم الكثير من أحلامهم وأفكارهم السينمائية التي ظلت في مرحلة الرغبة فقط ولم تصنع. خلال الفيلم أدركت في مرحلة المونتاج أن الموضوع ليس ما حققه هؤلاء الأربعة، بل الصور التي ظلت رغبة وهذا الصراع الداخلي، لذلك “الحديث عن الأشجار” هو الأنسب، بالتالي الأربعة هم الأشجار الذين غرسوا السينما السودانية في زمن صعب.

فكرتك في البداية كانت فيلما روائيا طويلا، بعدها وجدتَ هذه القصة وتغيرت النظرة تماما، ما هي الدوافع؟

بالنسبة لي كانت بمثابة علاج من الصدمة التي أصابتني حول الفيلم الروائي، عدت إلى السودان من أجل إخراج فيلم روائي، ووجدت منتجة فرنسية ستساعدني في ذلك، وطلبت مني تفقد البيئة السياسية خاصة وأنه منذ أكثر من ربع قرن لم تنجز السودان فيلما روائيا، كنت أسمع أن هناك إمكانية لذلك وأن السلطة بدأت تفك قبضتها ولكنني فوجئت أنه كلام وهمي وأي شيء تريده يخضع لشروط واستهبال اجتماعي وعراقيل وبيروقراطية، ويجب إنجاز الفيلم على مقاس النظام. لحسن الحظ التقيت بهم وكانت عندهم قدرة علاجية كبيرة وأحاطوني بحب كبير وعوضوني عن صدمة الفيلم الروائي.

من هذا المنطلق أريد أن أعرف كيف كان اللقاء الأول مع شخصيات الفيلم؟

هم فقط الذين درسوا السينما خارج السودان وقتها، وكان هناك تعنت من طرف السلطة، والأفلام التي أُنتجت تتماشى مع خطاب السلطة وهم يساريون وعندهم روح التمرد، ولما حصل الانقلاب السياسي كانوا في قمة ألقهم السينمائي، فجأة توقف كل شيء ووقع عليهم القمع الأكبر حتى من طرف بعض الشباب الذين أرادوا أن يجعلوهم السبب في القضاء على السينما. اللقاء الأول كان لطيفا معهم، “سليمان” هو الذي قدمني للمجموعة، فأول شخص استجوبني وكان له تحفظ هو “إبراهيم شداد” سألني هل عائلتك غنية؟ قلت لا، هل عندك علاقة مع الحكومة؟ قلت طبعا لا، قالي لي يا إما ترجع لفرنسا وتشتغل على أفلام عاطفية، وإما نضمن لك مقعد الانتظار معنا. كان اختبارا من طرفهم، ضحكت معهم وبعدها رافقتهم، بقينا على تواصل دائم وانبنت الثقة بشكل بطيء، بالنسبة لشداد هو شخص متطرف باتجاه الفيلم وساخر جدا من كل ما هو جديد، اكتشفت أنه يضع قناعا حتى يتعرف على الناس، مع الوقت  صار من أقرب الشخصيات إلي.

كم استغرق التصوير وما هي الصعوبات التي واجهتها؟

النظام السوداني كان يسير في مشروع محو الذاكرة البصرية السودانية وكل المكتسبات التي تتعلق بالحداثة خاصة الفنون، يريدون إعادة اختراع ذاكرة كاذبة تبدأ من سنة 1989، وبالنسبة للسينما هي من أكثر المجالات الهشة وحصل لها اغتيال كامل، لما وصلت السودان بدا بالنسبة لي أنه من الأفضل عدم طلب تصريح التصوير حيث سيكون تنازلا داخليا مع العلم أن قائمة الأماكن التي لا يُسمح فيها التصوير تقريبا كل السودان، في كل مكان يقال لك هذه منطقة عسكرية. البداية كانت تحديا في حد ذاته، وصعب جدا أن لا تستطيع التصوير بحرية لأنك تقوم بعملية مونتاج الفيلم في رأسك حتى قبل التصوير. بدأ التصوير في 2015 وكانت مراحل استطلاع واستكشاف، كنت أصور وأتوقف وواصلت على مراحل في 2016 و2015.

 من الأول لم أكن أستطيع أن أقرر أي مكان أعطيه للسلطة لأنه تم توقيفي عن التصوير في المرة الأولى، اخترت أن يكون تصوير الفيلم متلائما مع قوة الشخصيات، ففي النهاية الفيلم عن حب السينما اللا مشروط لذلك يجب أن يتوفر فيه جانب سينمائي، وحاولت تفادي السقوط في الخطابية السياسية المباشرة.

تضمن الفيلم سخرية سياسية من النظام السوداني، ألم تتخوف من تصوير هذه المشاهد؟

الخوف الأكبر أثناء التصوير، كنت أصور ووالدتي تخبئ المادة الفيلمية خوفا علي، فريق العمل كان صغيرا وهذا ساعد على السرية، حارس قاعة السينما كان يخبرني أن عناصر الأمن يأتون باستمرار ويسألون حول ماذا نصور، نحن الخمسة كانت تتراوح شجاعتنا وخوفنا ولكن التجانس بيننا حل محل الخوف، وطالما شجعني الأربعة خاصة وأنهم يملكون القدرة على جعل أي قلق لحظة عظمة، عندهم روح جميلة وساخرة والرغبة في الفعل والبقاء في حالة حركة لهزيمة الهزيمة الداخلية والقدرة على التعامل مع الجراح بأناقة وأدب ومحبة للحياة، فالتجربة معهم كانت جميلة وتجاوزتُ العديد من الأشياء بفضلهم.

يظهر من خلال الفيلم أنك اقتصنت لحظات حميمية عفوية بين الأربعة ووظفتها في عملك…

فعلا، كنت أقتنص اللحظات الحميمية بين الأربعة، سليمان مثلا عنده علاقة أمومة مع “منار”، رصدت تلك العلاقات بينهم، كانت هناك مشاهد تمثيلية، كتبت السيناريو على أن يكون إبراهيم شداد أقرب للشخصية الجانبية الساخرة، ولما بدأنا التصوير كان حذرا وفي نفس الوقت لا يمنع نفسه من الوقوف وراء الكاميرا وينتقد اختياري لزوايا التصوير بشكل ساخر ويقول لي أين تعلمت السينما؟ كنت أستمتع بهذا لأنني بحثت عن كسر الحاجز، من هنا بدأت متعة العمل مع إبراهيم وصار كل شيء يسير جيدا، أحدهم ظن أن الفيلم سيكون على شكل الفيلم الوثائقي التقليدي، بعدها اكتشفوا أنني أبحث عن معالجة الجرح وليس الإخبار به والقدرة على الضحك من كل شيء وإنتاج الأمل بشكل يومي وبفلسفة خاصة، كانوا يعملون ويغصبون أنفسهم على الضحك وهي طريقة في المقاومة.

بعد مشاهدة الفيلم أول مرة والحصول على جائزتين في مهرجان برلين، كيف كان وقع ذلك؟

ونحن في برلين أرواحنا كانت بعيدة ومعلقة على التغيير الذي كان يحصل في السودان، عشنا علاقة ذنب والذهاب لبرلين بمثابة حالة متناقضة والأخبار تصلنا عن المظالم في بلدنا والفحش في الظلم. كان خبرا مفرحا اختيار الفيلم في برلين رغم شكوكي في نجاحه، أثناء العرض تخوفي من الأربعة وكيف ستكون ردة فعلهم، طيلة الفيلم وأنا أتابع تفاعلهم مع تفاصيل العمل، بعد نهاية العرض لم أتخيل كل هذا النجاح، ولما فزنا بجائزة الجمهور والقاعة ممتلئة بهذا الشكل أول تعليق لهم قالوا بأنهم يريدون نقل قاعة السينما إلى السودان مع جمهورها، فرحوا جدا بالجائزة الأولى في وقت قال سليمان بأنه مقتنع بفوز الفيلم بالجائزة الثانية.

الأعظم من لحظة الفوز هو قناعة الشعب بأنه انتصار على النظام.

ما هي نظرتك لمستقبل السينما السودانية؟

هناك رغبة لدى مجموعة من الشباب السودانيين على خوض مجال السينما، في السودان حاليا كل شيء منهار ونحن محتاجون للنهوض بقطاعات عديدة، هناك عروض سينمائية في الشوارع تلبي تعطش السودانيين للحياة، السينما السودانية يجب أن تستعيد المشاهدة السينمائية لأن الجمهور كان أكبر من جمهور كرة القدم لذلك  يجب أن يعود هذا التقليد من جديد.

ألم تُفكر في عرض الفيلم في قاعة السينما التي دارت فيها أحداث الفيلم؟

بالضبط هذا ما أسعى إليه، ورغبتي شديدة أن يكون العرض الأول في السودان في هذه القاعة.

الوسوم: