الرئيسية » مقالات الرأي » “بابيشة” لمونيا مدور .. جدل في الجزائر وتتويج في مهرجان الجونة

“بابيشة” لمونيا مدور .. جدل في الجزائر وتتويج في مهرجان الجونة

بابيشا

  فيصل شيباني

في أحد المساءات الشتوية سنة 1993، توقفت حافلة تنقل تلاميذ الثانوية قادمين من مدينة برج منايل إلى قرية أولاد عامر، كان في إستقبالهم مجموعة من الإرهابيين، مرحبين بهم بطريقتهم الخاصة تركوا الذكور يذهبون في طريقهم، فيما تم توقيف البنات ونزع محافظهن والقيام بحرقها، مشهد لا يمكن أن أنساه خصوصا وأن شقيقتي الكبرى واحدة من الضحايا، وهذا ما كلفها عدم العودة إلى مقاعد الدراسة بعدها لخوف الوالد عليها ومن عودة الإرهابيين للتعرض لها، الحادثة إستحضرتني وأنا أشاهد فيلم “بابيشة” للمخرجة مونيا مدور، المشارك في الدورة الثالثة من مهرجان الجونة السينمائي الدولي، والفائز بنجمة الجونة لأفضل فيلم عربي، رغم أن الزمان والمكان مختلفان ولكن تقريبا القصة نفسها وهي التطرف الإسلامي المعادي للمرأة خاصة المتحررة منها.

الشريط السينمائي الطويل “بابيشة” وهو العمل الأول للمخرجة مونيا مدور، تعود فيه لتفاصيل قصة حقيقية لإحدى فتيات الجامعة متحررة من قيود المجتمع تعيش حياتها وفق ما تحب، ولكن تواجه مشاكل عديدة خصوصا مع تصاعد التيار الإسلامي المتطرف في بداية التسعينات، الذي يريد فرض منطقه بالقوة على المجتمع والمعادي لتحرر المرأة وفق ما يراه حراما حسب معتقداته الفقهية.

 من خلال هذه القصة تحاول مخرجة العمل أن تمسك بخيوط الحكاية وتتكئ على أداء الممثلة الشابة لينا خودري، التي تدرس في الجامعة وتبرع في تصميم الأزياء، يراودها حلم تنظيم عرض للأزياء بلباس “الحايك” التقليدي، ولكنها تصطدم بالعديد من العقبات والتحولات أولها مقتل شقيقتها الصحفية  التي كانت تعشق “الحايك” على يد إرهابية، فكانت الحادثة بمثابة نقطة تحول في حياتها وإصرار على مجابهة التطرف.

النبش في التطرف 

شكلت العشرية السوداء أو كما تعرف بعشرية الدم، مادة خصبة للسينمائيين الجزائريين بداية الألفية الجديدة ونهاية التسعينات، وكانت المخرجة يمينة بشير شويخ، من السباقات في تناول هذا الموضوع في فيلمها “رشيدة” حيث تصور المخرجة فتاة هاربة إلى قرية جبلية، من ملاحقة الارهابيين لها بعد الإعتداء عليها بعيار ناري كاد أن يودي بحياتها، تقرر الهجرة إلى إحدى القرى بحثا عن الأمان الذي لم تجده في المدينة، ولكنها ستصدم بواقع أكثر مرارة وهو أن الإرهاب مستشري في القرىة أكثر من المدينة التي فرت منها.

الصور التي نقلتها المخرجة الشابة مونيا مدور، في أول أعمالها الروائية الموسوم بـ “بابيشة” تلامس بشكل كبير صور التراجيديا المؤلمة التي صورتها يمينة شويخ في فيلمها “رشيدة” ومدى معاناة المرأة الجزائرية من ويلات الإرهاب، حيث تطرح المخرجة في هذه اللقطات طريقة التعامل مع المرأة في مجتمع ذكوري، فما بالك بالإسلاميين المتطرفين الذين ينعكس عنفهم المسلح أضعافا على النساء وفرض القيود عليهن، حتى أصبحت المرأة عرضة للاختطاف والاعتداء والاغتصاب.

تعود مونيا مدور لتدور في فلك العنف والتحول الذي عاشته الجزائر بداية سنوات التسعينات وما تبعه من عنف، كانت المرأة ضحية فيه خاصة المتحررة الغير محجبة، فتحولت إلى متهمة طول الوقت، واقع عكسته كاميرا مدور ولو بنوع من المبالغة في طريقة معاملة تلك النسوة في الفيلم من طرف الرجال، فصاحب المحل الذي تشتري منه “نجمة” أدوات الخياطة دائم الإستهزاء بها ومن حلمها في تنظيم عرض للأزياء باللباس التقليدي “الحايك” والذي يصبح فيما بعد عنصرا في الجماعات الإرهابية ويطاردها بهدف قتلها، وحتى حارس الإقامة الجامعية الذي مثل دوره “سمير الحكيم” ينظر إلى نجمة وصديقاتها بعين الريبة ويعاملهن كأنهن فتيات الليل الهاربات من الإقامة من أجل السهر والدعارة، هذه النظرة الذكورية الدونية تعكس إلى حد كبير ذلك الواقع المعاش تلك الفترة، والمتسم بالتوتر والهاجس الأمني الكبير الذي إستغله هذا الحارس فيما بعد لمحاولة إغتصاب نجمة في أحد الليالي بسبب عدم قدرتها على التسلل إلى الإقامة الجامعية، فما كان عليه إلا أن ساومها وحاول الإعتداء عليها، تصرف يعكس وجها آخرا من التطرف والإرهاب بعيدا عن الدين.

ميلاد مخرجة مع مؤاخذات

نبحث دائما في التجارب الأولى للمخرجين عن أعذار لأصحابها بحكم قلة التجربة، فيتم التغاضي عن النقائص في بعض العناصر الفنية، وفي فيلم “بابيشة” لمونيا مدور نجلة المخرج الراحل عز الدين مدور، وهو وأحد أهم المخرجين الجزائريين، إذ قدم آخر أعماله الموسوم بـ” جبل باية” نهاية التسعينات، وعرف حادثا مأساويا ذهب ضحيته 12 شخصا من طاقم العمل.

 وجب الوقوف عند بعض الهنات التي شابت العمل، أهمها ضعف وسطحية السيناريو الذي غلب عليه الحوار، فيحس المشاهد أن العمل كله مبني على الحوارالمكثف في لحظات عديدة، مع غياب تحولات تشد المشاهد، وفي أحايين كثيرة تحس وكأن خيوط الحكاية غير متماسكة، حيث تنتقل الكاميرا من مشهد لآخر مع غياب الربط والتسلسل في السرد والأمثلة كثيرة عن ذلك، ناهيك عن الإيقاع السريع في الفيلم وغياب المبررات لذلك، والتمهيد لبعض المشاهد، فالتحول من حالة الكوميديا إلى الدراما غير مؤسس خلال العمل وحتى الحبكة مفقودة رغم ثراء العمل بالخيال والشخصيات، وهذا الفخ القاسي جعل الشريط السينمائي وخطه الدرامي مشتتا وسير الأحداث والشخصيات داخل طريق درامي مليء بالمطبات.

التشتت الموجود في السيناريو إنعكس على بنية الفيلم عموما، ولكن هذا لا يغفل النقاط المضيئة وأهمها الأداء الجيد للمثلين عموما خاصة بطلة الفيلم لينا خودري، ما ينبئ بميلاد ممثلة سبق لها أداء دور جيد والفوز بجائزة أحسن ممثلة في مهرجان فينيسيا في دورته قبل الماضية عن فيلم “السعداء” للمخرجة صوفيا جامة المشارك في قسم “أوريزونتي” بالمهرجان، ناهيك عن الحضور المقنع للممثلة شيرين بوتلة وباقي الممثلات الاخريات اللواتي إستطعن إظهار قدراتهن التمثيلية في الفيلم وكان بإمكانهن تقديم الأكثر، لولا أن الحوار المكثف ظلمهن نوعا ما وحد من هامش التمثيل و الإبداع.