في وقت تتجه فيه الجزائر نحو تعزيز الرقابة المالية وتحديث منظومتها المصرفية، كشف تقرير رسمي صادر عن بنك الجزائر أنّ مؤسسة بريد الجزائر تتصدر قائمة الهيئات المالية الأكثر عرضة لمخاطر غسل وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، رغم أن التهديد الإرهابي في البلاد بات “ضعيفًا” خلال السنوات الأخيرة.
ويحمل التقرير، الذي أعدّ بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، عنوان: “التقييم القطاعي لمخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب في القطاع البنكي وبريد الجزائر”، ويأتي في إطار جهود الدولة لمواءمة نظامها المالي مع المعايير الدولية لمجموعة العمل المالي (GAFI).
البريد تحت المجهر
وفق الوثيقة التي نشرها موقع الشروق، فإن الاعتماد الكبير لبريد الجزائر على التعاملات النقدية، إلى جانب اتساع شبكته عبر كامل التراب الوطني وتنوع زبائنه، يجعل منه أكثر المؤسسات عرضة للاستغلال في عمليات تبييض الأموال وتحويل الأموال غير المشروعة.
ويشير التقرير إلى أن أنظمة المراقبة الداخلية والتقنيات المستخدمة في رصد المعاملات المشبوهة لا تزال “ضعيفة وغير مكتملة”، رغم ما تحقق من تقدم في تطبيق نظام “اعرف عميلك” (KYC) وإطلاق منصة التصريح الإلكتروني بالشبهات.
البنوك في المنطقة الرمادية
أما بالنسبة للقطاع البنكي، فصنفه التقرير ضمن مستوى خطر متوسط إلى مرتفع، بسبب تنوع الخدمات والمنتجات المالية، وتعدد القنوات الرقمية، وتزايد المعاملات عبر الحدود، فضلاً عن حجم الاقتصاد غير الرسمي الذي يمثل ما بين 30 و35% من الناتج المحلي الإجمالي.
وحذر البنك المركزي من استمرار الاعتماد المفرط على السيولة النقدية، معتبراً أن ذلك يحدّ من قدرة السلطات على تتبع حركة رؤوس الأموال ويعرقل جهود مكافحة تبييض الأموال.
دعوة إلى التحول الرقمي والرقابة الصارمة
وفي ضوء هذه المعطيات، دعا بنك الجزائر المؤسسات المالية إلى تعزيز الرقابة الوقائية، وتكثيف التكوين المتخصص للموظفين، وتسريع رقمنة المعاملات من أجل تقليص التداول النقدي خارج الإطار الرسمي.
كما شدد التقرير على ضرورة تحديث أنظمة المراقبة التلقائية للكشف المبكر عن العمليات المشبوهة، وتنسيق الجهود مع خلية معالجة المعلومات المالية (CTRF) والجهات الأمنية المختصة.
تمويل الإرهاب.. تهديد محدود لكن قائم
ورغم أن التقرير أكد أن التهديد الإرهابي في الجزائر بات ضعيفاً، فإنه أشار إلى أن بعض القنوات غير الرسمية، مثل نظام الحوالة، ما تزال تشكل مصادر محتملة لتمويل أنشطة غير مشروعة.
كما نبّه إلى أن الخدمات المالية السريعة أو الحسابات التي تُفتح من دون تحقق كافٍ من الهوية قد تستغل في عمليات تمويل الإرهاب أو التهرب الضريبي، داعيا إلى تشديد الرقابة والتدقيق المستمر.
وفي ختام التقرير، أشاد بنك الجزائر بالإجراءات التشريعية الحديثة التي اتخذتها الدولة، وعلى رأسها القانون رقم 23-01 لسنة 2023، الذي شدد العقوبات وفرض الإبلاغ الإجباري عن المعاملات المشبوهة، في خطوة تؤكد التزام الجزائر بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وفق المعايير الدولية.








لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين