الرئيسية » مقالات الرأي » “بيك نعيش” لمهدي برصاوي .. خيانة وضحية ومصير مفتوح

“بيك نعيش” لمهدي برصاوي .. خيانة وضحية ومصير مفتوح

يعيد المخرج التونسي مهدي برصاوي بشريطه السينمائي “بيك نعيش” المشارك في مسابقة آفاق السينما العربية بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته 41، صياغة مفهوم الأبوة وكيف تنقلب الوقائع بين الأب الحقيقي البيولوجي، وبين الأب المربي الذي اعتقد لفترة طويلة أن من يعيش معه هو فلذة كبده، ولكن الحقيقة صادمة وكفيلة بقلب الموازين وتحول حياته لكابوس حقيقي ليعيش بين نارين نار الخيانة ونار الحرقة والخوف على تضييع ابنه رغم علمه أنه ليس من صلبه.

بلغة سينمائية طيعة وسلسلة يسترسل المخرج مهدي برصاوي في سرد قصته بتكثيف بصري مهم وينتقل من الخاص إلى العام بأسلوب مدروس دون أن يضيع بوصلته، فالخاص جزء من العام وكل مترابط ومتشابك،  لهذا بحث المخرج عن الصعب وخرج من النطاق العائلي إلى ظواهر أعمق كحرية المرأة والاتجار بالبشر والحرب الليبية، كلها عناصر متماسكة شكلت دعامة لقصة رئيسية بنيت عليها ملامح الفيلم وما زادها تماسكا الأداء القوي للمثل سامي بوعجيلة الذي ينتقل ببراعة من حالة إلى حالة تؤكد حضوره الطاغي في العمل.

يحفر المخرج في سر قديم طال إخفاؤه ولكن تحاليل بيولوجية كان لا بد منها قلبت حياة عائلة سعيدة، رصاصة مسلحين مجهولين تصيب الطفل أثناء رحلة العائلة إلى الجنوب التونسي، تصبح حياة الطفل مهددة ولابد من التبرع له بكلية حتى يمكنه المقاومة والعيش، فيطلب الطبيب من الوالدين إجراء التحاليل حتى يرى إمكانية منح أحدهما لكبده، هنا تحدث الصدمة فالنتائج كشفت أن الصبي “عزيز” من أب آخر وليس من فارس”سامي بوعجيلة”.

يتخذ مهدي برصاوي هذه المأساة العائلية سبيلا للحديث عن الفساد الذي ما زال يعم تونس، وعن الاتجار بالأعضاء وعن فشل المنظومة الطبية في تونس، كما يناقش معضلة التبرع بالأعضاء في تونس، حيث لا تسمح التشريعات هناك بنقل الأعضاء إلا من أقارب الدرجة الأولى. قضايا كثيرة متشعبة، ولكن ما يبقيها متماسكة، وما يبقي اهتمامنا بالفيلم هو الأداء المتميز للغاية لبو عجيلة، الذي تشير كل اختلاجات وجهه إلى مدى ألمه وحزنه.

تتدهور حالة عزيز مع كل دقيقة تمر، ويتضح أنه لا يوجد توافق بين أنسجة الأم وابنها، لذا يتعين عليها الاتصال بالأب البيولوجي للصبي في محاولة إقناعه بالتبرع بجزء من كبده.

يطرح الفيلم مجموعة من الأسئلة حول بقاء الفساد في تونس رغم سقوط نظام بن علي، الفساد في القطاع الصحفي وكيف يتحول ممرض إلى “بزناسي” بامتياز ويتاجر بأرواح الناس عبر تجارة الأعضاء البشرية عن طريق مافيا تمتهن تهريب الأطفال الصغار من ليبيا وهي قضية تناولها برصاوي في الفيلم، حيث حاول الربط بين المأساة العائلية وماساة أكبر من خلال كسر الجدار الشخصي والتطرق لظاهرة أصبحت تؤرق كاهل الشعوب خاصة البلدان التي تعاني الحرب والفقر فيصير فيها الجسد رخيصا يسهل بيعه.

يغوص بنا مهدي برصاوي إلى هذا العالم المليء بالتناقضات، فالإسلامي فيه هو الذي يرسم السوداوية وأول المتاجرين بأعضاء البشر ويشرف عليه كبار الأطباء، هذا الإسلامي الذي لا يتحدث سوى بكلام الله يعرف كيف يستدرج الآباء و”فارس” أحدهم ويستغل الحرب الطاحنة في ليبيا المجاورة لتهريب أطفال بغرض الحصول على أعضاء أجسادهم النحيلة الفقيرة، وبيعها مقابل مبالغ طائلة للمهربين.

يعيد الفيلم طرح جدلية العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمعات العربية ولو باختلاف تكويناتهم، فالحقيقة الموجعة تجعل الإنسان يتغير، خاصة إذا تعلق الأمر بالخيانة الزوجية ولو أن مفهوم الخيانة يتغير فما بالك بفارس الذي تربى في فرنسا ولكن إذا تعلق الأمر بتلك العلاقة الإنسانية بين الزوج زوجته تصبح محكومة  بالعودة إلى الجذور حتى لو ارتبط الأمر بالماضي فالخيانة هنا ليست جديدة بل تعود لسنوات مضت وأصبحت جزءا منه، وطفت فجأة إلى السطح بحكم الظرف الصحي للابن ويعيد الفيلم العلاقة الإنسانية بين الأب البيولوجي وبين المربي، فالوالد لم يهضم فكرة أن الطفل ليس ابنه، بالرغم أن الواقع يثبت ذلك فيرفض التخلي عنه ويجري في كل مكان من أجل إنقاذ حياته وفي نفس الوقت يدين ما قامت به زوجته ويرفض حتى النظر في وجهها ما يعطي الانطباع أن النظرة الدونية ناحية المرأة لا يمكن أن تتغير في مجتمعاتنا وتبقى رهينة الأعراف والتقاليد الخالية من قاموس التسامح وهو ما يتركه المخرج مفتوحا أمام التأويلات في نهاية الفيلم، فالهدف عند فارس الأب إخراج الطفل من مأزقه الصحي ما يدفعه في الأخير للتخلي عن كبريائه والرضوخ لعاطفة الأبوة والتوجه نحو الأب البيولوجي حتى يجبره على التبرع بكليته للصبي وإلا سيقوم بفضحه أمام عائلته.