أعاد توتر العلاقة بين الجزائر وفرنسا مشروع قانون تجريم الاستعمار إلى الواجهة بعد ظهوره عدة مرات دون عرضه للمصادقة عليه حتى يصبح قانونا سريا.
حيث أعلن رئيس المجلس الشعبي الوطني، إبراهيم بوغالي، في شهر مارس الفارط عن تنصيب لجنة خاصة لصياغة مقترح قانون تجريم الاستعمار، موضحا حينها أن اللجنة تضم ممثلين عن جميع المجموعات البرلمانية وذلك تجاوبا مع الإجماع الوطني والسياسي حول هذا الملف، وتكريما لذاكرة الأسلاف من جيل المقاومة إلى جيل الثورة التحريرية المجيدة.
وأكد في الوقت ذاته أن ملف الذاكرة بالنسبة للجزائر لا يطرح كورقة ضغط أو مساومة كما يروج له في بعض الأوساط، وإنما يطرح من منطلق الوفاء للتضحيات الجسام التي قدمها الشعب الجزائري.
غير أن الأصوات التي كانت تتكلم عن مشروع القانون تجريم الاستعمار بدأت تتخافت، حيث غاب عن خطب مسؤولي البرلمان بمناسبة اندلاع الثورة التحريرية، كما لم يكن على أجندة مكتب المجلس الشعبي الوطني الذي درس في نوفمبر الفارط مقترحات قوانين قدمها النواب.
ويحمل التشريع الذي شارك نواب أبناء شهداء، في صياغته، خاصية تجعله مختلفا عن غيره من المقترحات السابقة المقدمة من قبل نواب العهدات السابقة، فهو ثمرة عمل جماعي لنواب يمثلون مختلف المجموعات النيابية، ما يعطيه قوة وشرعية مقارنة بسابقيه.
ورقة ضغط سيادية
قال رئيس المجموعة البرلمانية لجبهة المستقبل، فاتح بوطبيق، إن مشروع قانون تجريم الاستعمار يعد آلية من آليات الدفاع عن الذاكرة الاجتماعية للشعب الجزائري، مؤكدا أن هذا القانون هو وسيلة من وسائل الضغط التي تعتبرها الجزائر ضرورية لتحقيق العدالة التاريخية.
وأضاف بوطبيق في تصريح لـ “اوراس” أنه لا يجب أن يكون هناك أي مزايدة سياسية بشأن هذا الملف، أو ترويج لأفكار تدعي أن الجزائر تتخلى عن هذا الحق أو تحاول التراجع عنه.
وأوضح بوطبيق أن هذا القانون يمثل جزءا من مجموعة آليات يمكن استخدامها في الوقت المناسب، وهو وسيلة يستعملها رئيس الجمهورية والمؤسسات الحكومية في إطار الحفاظ على مصلحة الجزائر.
وشدد على أن قانون تجريم الاستعمار ليس مجرد مشروع سياسي، بل هو جزء من الهوية الوطنية والشعور بالعدالة.
وأبرز بوطبيق أن هذا مشروع القانون سيظل قائما حتى في حالة لم يتعرضه خلال العهدة البرلمانية الحالية، فإن هذا القانون سيظل قائما، وسيستمر البرلمان في نفس الروح الوطنية التي تجسد قيم الذاكرة الجماعية للشعب الجزائري، مهما تغيرت الشخصيات.
وأضاف أن الشهداء والمجاهدين قد رحلوا، ولكن أبناءهم وأحفادهم سيظلون أوفياء لتلك المسيرة النضالية.
كما نوه رئيس جبهة المستقبل إلى أن القضايا المتعلقة بالذاكرة الوطنية تتطلب وقتا وتأنيا في اتخاذ القرارات المناسبة.
وأوضح أن مشروع القانون تم العمل عليه بشكل مشترك بين جميع الكتل السياسية في البرلمان،مشيرا أنه تم إعداده بتروي وحكمة.
وفيما يخص مصير المشروع في ظل عودة العلاقات الجزائرية الفرنسية إلى مسارها الطبيعي، أشار بوطبيق إلى أن هذا الأمر مرتبط بشكل رئيسي بمصلحة الشعب الجزائري.
وأكد أن الجزائر لا تسعى إلى قطيعة مع فرنسا، بل إلى علاقات قائمة على المصالح المشتركة، لافتا إلى أهمية التعامل مع باريس في قضايا تتعلق بالجالية الجزائرية والروابط الاجتماعية والاقتصادية بين البلدين.
وأضاف بوطبيق أن الجزائر تتمتع اليوم بمؤسسة دولة ناضجة في تعاملها مع فرنسا، سواء في المسائل التاريخية أو المتعلقة بالذاكرة الوطنية، كما تجسد ذلك من خلال المبادرات التي تقوم بها وزارة المجاهدين لإحياء التاريخ المجيد. هذه الخطوات، بحسبه، تعتبر تعزيزا وتقوية للجبهة الداخلية للجزائر.
“إعلان الجزائر”
يتزامن النقاش حول الموضوع في الوقت التي استضافت فيه الجزائر أشغال المؤتمر الدولي حول “تجريم الاستعمار في إفريقيا”.
وقد أفضى المؤتمر إلى “إعلان الجزائر”، الذي شدد على أن جبر الضرر لا يمكن أن يمحو تماما المعاناة الكبيرة التي تكبدتها الشعوب الإفريقية نتيجة للاستعمار.
كما أكد أن هذا المسار، رغم محدوديته في استعادة ما فقدته الشعوب من حقوق ومكتسبات إنسانية وسياسية واقتصادية، يبقى واجبا ضروريا للعدالة والذاكرة والكرامة، وهو أمر يرتبط بشكل وثيق بالسيادة الكاملة لشعوب القارة.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين