مقالات الرأي

ترامب وإعادة تشكيل الحزب الجمهوري

دونالد ترامب والحزب الجمهوري
أوراس في awras on Google News

أعلنت وسائل الإعلام فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية. أنكر دونالد ترامب هذه النتيجة، واتهم الديمقراطيين بالتزوير والاحتيال. كما ادعى المحامي الخاص لدونالد ترامب “رودي جولياني” بأنه لم يُسمح للمراقبين من حملة ترامب الاطلاع على أوراق الاقتراع والتأكد من صحتها في ولايات كانت مصيرية في هذه الانتخابات كبنسيلفانيا وغيرها. قد يتم انتقال السلطة بسلاسة، أو قد تتصاعد الأمور إلى حرب قانونية. ولكن ما أخبرتنا به نتائج هذه الانتخابات هو أن ترامب خرج منتصرا بشكل ما من هذه الانتخابات. لم ينتصر في الانتخابات بشكل مباشر، ولكنه أحكم قبضته على الحزب الجمهوري، وعلى المدى البعيد.

إقبال غير مسبوق وطعنة من بوش الابن لدونالد ترامب

كان الإقبال كبيرا على الانتخابات هذه المرة، فإلى اليوم احتسب لجو بايدن 74 مليون صوت، أما لترامب فاحتسب 70 مليون صوت، وكلاهما رقمان قياسيان. تجسد هذه الأرقام الانقسام السائد في المجتمع الأمريكي حيال شخصية ترامب، فقد قالت استطلاعات الرأي العام إن 44٪ من المصوتين لبايدن كان تصويتهم “ضد دونالد ترامب لا لجو بايدن”.

لم تتكون هذه الكتلة الانتخابية المعادية لترامب من الديمقراطيين فحسب، بل من الجمهوريين أيضا. مئات المسؤولين الذين عملوا في إدارة الرئيس الجمهوري السابق للولايات المتحدة جورج بوش الابن، قاموا بمساندة المرشح جو بايدن في هذا الاقتراع. أما عن جورج بوش نفسه فلم يساند مرشح الجمهوريين دونالد ترامب. وإن كان من أعراف السياسة مساندة مرشح الحزب الذي ينتمي إليه الرئيس السابق.

ترامب كسب معارك وخسر الحرب

حقق ترامب اختراقا هاما في المجتمع الأمريكي فبالرغم من خسارته الحرب إلا أنه كسب الكثير من المعارك

فُهم تصرف جورج بوش هذا، بأنه لا يريد ولاية ثانية لترامب. أعضاء سابقون من الحزب الجمهوري أسسوا في ديسمبر2019 لجنة للعمل السياسي مسماة ب”مشروع لينكولن”، عملت اللجنة على جمع التبرعات للإعلانات والضغط السياسي، وكان هدفها منع إعادة انتخاب دونالد ترامب، ما يشير بشكل واضح إلى وجود انقسام في نخبة الحزب الجمهوري. اجتمع المحافظون الجدد، وهم الأكثر تطرفا، ك”جون بولتون”، والجمهوريون المعتدلون ك”ميت رومني” على معاداة ترامب في هذه الانتخابات، في حين اجتمعت القاعدة الشعبية للحزب على مساندته، فقد كسر ترامب الرقم القياسي لأكثر عدد الأصوات التي يكسبها أي مرشح جمهوري في انتخابات رئاسية.

ليس ذلك فحسب، بل حصل ترامب على أعلى نسبة من الناخبين غير البيض لأي مرشح جمهوري منذ عام1960، وهي الفترة التي دعم فيها عدد من السود الحزب الجمهوري، بسبب إرث الحزب الديمقراطي في العبودية والتمييز العنصري. ولم يقتصر هذا التغيير على السود والمهاجرين من أمريكا الجنوبية فقط، بل وصل إلى المسلمين أيضا. تقول الإحصائيات إن 35% من المسلمين في أمريكا انتخبوا ترامب، ويُعد هذا تطور جزئي مهم.

ترامب يخترق مجتمعات وفئات جديدة

فبالرُغم من تقييد قوانين الهجرة، وحظر السفر من عدة بلدان مسلمة، إلا أن أرقام ترامب قد تحسنت مع المهاجرين والمسلمين. ولعل ما يفسر ذلك، هو تركيز ترامب على الطبقة العاملة في خطابه السياسي. فخطابه يتمحور حول إعادة الوظائف إلى أمريكا، خاصة في مجال الصناعة، والتي بسبب النهج النيوليبرالي الذي اتخذ من طرف الإدارات السابقة، ديمقراطية كانت أو جمهورية، نُقلت تلك الوظائف إلى دول أخرى كالصين أو المكسيك حيث الأجور منخفضة. شهدت فترة حكم ترامب تطورا ملحوظا من ناحية الوظائف المتاحة، فوفقًا لمكتب إحصاءات العمل الأمريكي، انخفض معدل البطالة في البلاد إلى 3.5٪ في خريف 2019، وهو أدنى معدل منذ حوالي 50 عامًا.

ركز ترامب أيضا على سياسة الإنعزال في خطابه السياسي، فقاعدته الشعبية تتباهى بكون ترامب لم يشن أي حرب مقارنة ببايدن الذي ساند كل الحروب من العراق، وأفغانستان كعضو لمجلس الشيوخ، إلى التدخل في ليبيا وسوريا كنائب للرئيس باراك أوباما.

كل هذه الأمور تخص الطبقة العاملة، وما أجاده ترامب هو التواصل معها حول هذه القضايا. قد يكون أسلوبه غير معهود، أو غير ديبلوماسي، وقد يُتهم بالعنصرية في الكثير من مقولاته. إلا أنه تمكن من إقناع أطياف تنتمي إلى طبقة العمال من التصويت لصالحه. وحتى أثناء حكمه تناقضت الكثير من سياساته مع ما يقول، سياساته العدوانية مع إيران كانت قادرة على شن حرب في المنطقة، عكس ما قاله في كثير من المناسبات عن امتناعه من المشاركة في الحروب والنزاعات العسكرية الدولية. بالرغم من هذا التناقض تُعد الرسالة في كثير من الأحوال أهم من الأفعال، خاصة في الحملات الانتخابية. ورسالة ترامب السياسية أثبتت على أنها قادرة على تغيير النمط الانتخابي لكثير من الطبقات الشعبية في أمريكا.

تراجع الديمقراطيين في المجتمعات اللاتينية

في مقال لوول ستريت جورنال تمت الإشارة إلى كيفية كسب ترامب أصوات الكثير من المجتمعات اللاتينية في ولايات مثل تكساس، الذين اعتادوا على التصويت للديمقراطيين، ذلك أن الديمقراطيين والإعلام المنحاز لهم، قد ابتعدوا كثيرا وفق رأي المنحدرين من أصول لاتينية، عن قيم تلك المجتمعات. لا يُستثنى في ذلك الكثير من مجتمعات المهاجرين، من المسلمين وغيرهم. فهذه المجتمعات تتشارك مع الجمهوريين في الكثير من القضايا الاجتماعية، مثل مفهوم العائلة، وممارسة الشعائر الدينية، والانتماء للمجتمعات المحلية. كما أن تخلص الحزب الجمهوري من النزعة العنصرية الموجودة لدى كثير من ممثليه، تُعد ورقة رابحة من شأنها أن تجعل الحزب الجمهوري خيارا فعليا أمام المهاجرين مستقبلا.

حينما أتى ترامب للساحة السياسية كسر القواعد المتعارف عليها. يمكننا القول أيضا إنه أحدث ثورة في الحزب الجمهوري وفي السياسة الأمريكية بشكل عام. يقول البعض عنها إنها زوبعة

مستقبل أمريكا ليس أبيضا أبدا، بل إن كل المؤشرات تقول إن التنوع العرقي في أمريكا سيزداد تأثيرا. وأنه على الحزب الجمهوري أن يعيَّ بأنه لا يمكنه الفوز بالانتخابات مستقبلا معتمدا فقط على تصويت البيض. قد لم تكن نيته كذلك، ولكن شعبوية ترامب قد وضعت الأسس لتغيير جوهري في الحزب الجمهوري، وهو التركيز على الطبقة العاملة من كل الأعراق، وليس فقط من البيض. والإبقاء على القيم المجتمعية المحافظة، والحد من السياسات النيوليبيرالية التوسعية.

يقول أندرو يانغ، أحد المرشحين الديمقراطيين لرئاسيات 2020، إنه حينما كان يلتقي الطبقة العاملة، أثناء حملته الانتخابية، (من سائقي الحافلات، إلى نادلات المطاعم،) كان هؤلاء يستنكرون تقديمه نفسه كمرشح ديموقراطي. كان في أذهانهم يُضيف يانغ

“لعبُ الحزب الديمقراطي دور النخبة الموجودة في المدن الكبرى والساحل، الذين يهتمون بالقضايا الثقافية المختلفة، أكثر من اهتمامهم بتحسين مستوى المعيشة”. يستنتج من ذلك أنه أمام الحزب الجمهوري فرصة حقيقية لإعادة صياغة مطالب الطبقة العاملة، وملء الفراغ، الذي تركه الحزب الديموقراطي، وتكوين ائتلاف واسع من الناخبين الأمريكيين قادرعلى الفوز بالتصويت الشعبي في الانتخابات القادمة.

حينما أتى ترامب للساحة السياسية كسر القواعد المتعارف عليها. يمكننا القول أيضا إنه أحدث ثورة في الحزب الجمهوري وفي السياسة الأمريكية بشكل عام. يقول البعض عنها إنها زوبعة، ولكن ترامب ومع كل ما يُعرف عنه من سلوك تلقائي، يصفه البعض بالمتعجرف، استطاع استمالة أكثر من 70 مليون أمريكي لصالح الحزب الجمهوري. حينما نلقي نظرة فاحصة لنتائج هذه الانتخابات نستنتج بأن ترامب أحدث نقلة نوعية في أنماط الناخبين، من شأنها أن تغير كيفية تعامل الحزب الجمهوري مع كتل التصويت المختلفة، وبشكل جذري.

مصادر

  • https://abcnews.go.com/Politics/giuliani-trump-file-suit-pennsylvania-contesting-biden-win/story?id=74078806
  • https://www.npr.org/2020/11/03/929478378/understanding-the-2020-electorate-ap-votecast-survey
  • https://www.snopes.com/fact-check/unemployment-low-trump/

حالات كورونا في الجزائر

مؤكدة
78,025
وفيات
2,329
شفاء
50,712
نشطة
24,984
آخر تحديث:26/11/2020 - 14:01 (+01:00)

نبذة عن الكاتب

يوسف خليل

يوسف خليل

يوسف خليل طالب في الاتصالات والدراسات الإعلامية بجامعة " كارلتون" في أوتاوا ـ كندا . عضو جمعية الطلبة المسلمين في كندا ، مدير التسويق في جمعية المغرب العربي في كندا . يكتب في السياسة والتاريخ ولديه اهتمام بالجرافيك والتصميم الإعلاميين، صاحب مدونة QSOUR

اترك تعليقا