شهدت الجمعية الوطنية الفرنسية، الأسبوع الماضي، موجة من الجدل الحاد بعد ظهور تلميذات صغيرات يرتدين الحجاب في مدرجات البرلمان خلال جلسة مخصصة لأسئلة النواب الموجهة إلى الحكومة، في واقعة كشفت مجدداً عمق الانقسام في فرنسا حول مفهوم “العلمانية” وحدودها.
القصة بدأت بصورة التقطت داخل القاعة أظهرت مجموعة من التلميذات المحجبات بين صفوف الجمهور، لتتحول سريعاً إلى مادة سجالية بين التيارات السياسية، خاصة بعد تعليق رئيسة الجمعية الوطنية يائيل براون-بيفيه، التي وصفت وجودهن بأنه “غير مقبول”، مذكّرة بأن المكان نفسه شهد قبل عقدين من الزمن التصويت على قانون عام 2004 المتعلّق بحظر الرموز الدينية في المدارس.
وفي السياق ذاته، اعتبر جيرار لارشيه، رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي، أن الحادثة “تمسّ أعراف الجمهورية”، قائلاً إن “الأمر يتعلق باحترام مبدأ العلمانية في مؤسسة تجسّد روح الجمهورية الفرنسية”.
لكنّ التصعيد الأكبر جاء من نواب حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف، الذين استغلوا الواقعة لشنّ هجوم جديد على الوجود الإسلامي في الفضاء العام الفرنسي.
وكتب النائب جوليان أودول على منصة “إكس”: “يا له من استفزاز شنيع! كيف يمكن التساهل مع وجود فتيات صغيرات محجبات تحت قبّة الجمعية الوطنية؟”
Quelle infâme provocation ! Comment peut-on tolérer que des petites filles recouvertes du voile islamique soient présentes dans les tribunes de l’Assemblée nationale, temple de la République française ?
— Julien ODOUL (@JulienOdoul) November 5, 2025
Une réaction @YaelBRAUNPIVET sur la promotion du voilement des enfants ? pic.twitter.com/muFd4CNGdW
أما زميله إيدي كاسترمان فزاد النار اشتعالاً بتصريحه: “ما هو محظور في مدارسنا وكلياتنا، لا يمكن أن يُسمح به في معبد الديمقراطية”.
وأوضح الباحث في علم الاجتماع السياسي بفرنسا فيصل إزدارن أن حضور هؤلاء التلاميذ كان بدعوة من نائب بالمجلس، مضيفا أنهم متمدرسين في مدرسة دينية خاصة، وبالتالي لا يعنيهم قانون فرض اللائكية وحظر الرموز الدينية في المدارس العمومية.
في المقابل، عبّر نواب اليسار عن غضبهم مما وصفوه بـ”هوس الإسلاموفوبيا” الذي يتغلغل داخل المؤسسات الفرنسية.
وقالت النائبة دانييل أوبونو من حركة “فرنسا الأبية”: “إنها صورة للإسلاموفوبيا المؤسسية تُبثّ مباشرة من قاعة الجمعية الوطنية، في تحالف واضح بين الماكرونية واليمين المتطرف. إنه أمر مشين”.
وأضاف زميلها أنطوان لياومان أن “لا وجود لأي قانون يمنع ارتداء الحجاب داخل الجمعية الوطنية”، فيما اعتبر النائب بول فانبيه أن “رئيسة الجمعية باتت تتحدث كجوليان أودول وتستهدف أطفالاً جاؤوا ببساطة لزيارة البرلمان”.
ومن جانبها، أدانت مارين تونديليه من حزب الخضر تلك المواقف، ووصفتها بأنها “تجسيد صريح للإسلاموفوبيا”، مشددة على أن موظفي الجمعية “ملتزمون بالقواعد تماماً، ولو كان ارتداء الحجاب ممنوعاً لما سُمح بدخول الفتيات إلى القاعة”.
الجدل لم يتوقف هنا، إذ أبدى نواب من اليسار استياءهم من استمرار اعتماد بطاقات اعتماد صحافيي موقع “فرونتير” اليميني المتطرف داخل البرلمان، رغم الجدل الذي أثاروه في أفريل الماضي، ما يعكس – برأيهم – ازدواجية واضحة في تطبيق القواعد داخل المؤسسات الفرنسية.
وأكد الباحث في علم الاجتماع السياسي، إزدارن أنه لا يوجد قانون يحظر أي رمز لزوار البرلمان، ووصف هذه الخرجة بـ”محاولة إلهاء الرأي العام عن حدث بالغ الأهمية، وهو مناقشة مشروع قانون الميزانية الذي لا يحظى بالأغلبية، وقد تسقطه المعارضة اليسارية، ولكن هناك هدف قد تم تحقيقه، وهو محاولة مليونية يائسة لتشويه المسلمين ورموزهم”.
أعادت واقعة “الفتيات المحجبات” فتح نقاش لم يهدأ في فرنسا حول التوازن الصعب بين قيم الجمهورية والعلمانية من جهة، وحرية المعتقد والتعبير من جهة أخرى. نقاش يبدو أنه سيبقى مفتوحاً ما دامت الهوية الفرنسية نفسها موضع جدل.








لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين