الرئيسية » مقالات الرأي » جدل المنتخب والمعين في مسودة الدستور

جدل المنتخب والمعين في مسودة الدستور

هناك مسألة أساسية في مختلف الدساتير والأنظمة السياسية تتمحور حول توزيع الصلاحيات بين المنتخب والمعين، ومن حيث المبدأ يتوجب أن تخول صلاحيات أكبر للمنتخب، كونه يستمد شرعيته من المنتخبين الذين فضّلوه على غيره بناء على برنامجه السياسي الذي يقتضيتجسيده امتلاك صلاحيات تتيح له ذلك، وهذا ما يجعله عرضة للمساءلة السياسية في المواعيد الانتخابية اللاحقة، فالتجديد له تأكيد على وفائه بوعوده التي قطعها عند ترشحه، وفشله دليل على عدم التزامه ببرنامجه الانتخابي.

في الحالة الجزائرية يتوزع السجال حول هذا الموضوع على مستويين مركزي ومحلي.

على المستوى الأول تطرح مسألة الصلاحيات التي يمنحها الدستور للحزب الحائز على الأغلبية البرلمانية، ويفترض من هذا المنطلق أنيكون له الحق الكامل في تشكيل الحكومة، وتطبيق البرنامج الذي كان وراء فوزه، ولكن المعضلة تكمن في انتخاب رئيس الجمهورية بشكل مباشر من طرف الشعب أيضا، وهو الآخر يسعى لتحقيق برنامجه، وبذلك لا بد أن يستحوذ على صلاحيات أكثر، ويبحث عن وزراء ينسجمون مع تصوراته ليعتمد عليهم.

هذا التنازع حول الصلاحيات يتجلى في محاولة لجنة صياغة الدستور التوفيق بين النظامين الرئاسي والبرلماني، غير أنها عقّدت المسألةأكثر، والغريب أنها استبعدت فرضية النظام البرلماني لعدم انسجامه مع السوسيولوجيا السياسية للجزائر رغم أن كل أعضاءها من خلفيةقانونية، وبررت اعتمادها نظاما شبه رئاسيا يبقي على الشكل الحالي لضمان وحدة السلطة التنفيذية وتجانسها، وترشيد نشاطها، وتحريررئيس الجمهورية من الأعباء المرتبطة بالتسيير الحكومي مع المحافظة خاصة على شرعيته التي يستمدها من الانتخاب عن طريق الاقتراعالعام.

يتضح من هذا ترجيح الكفة لصالح رئيس الجمهورية على حساب البرلمان المنتخب هو الآخر عن طريق الاقتراع العام، كما أنها لم تقدممبررات منح رئيس الجمهورية خيار تكليفه رئيس الحكومة بإعداد برنامجه؛ لأن المنطق يفترض أن انتخاب الرئيس كان بناء على برنامج تقدمبه، وعبارةالتطورات المحتملة للمشهد السياسيلا تصلح موضوعيا لمنح هذه الصلاحية لأن الأصل في المشهد السياسي تحركه وتطوره،والمشرع يفترض به أن يساهم في ضبطه ولا يترك ثغرات كبيرة تكون سببا لأزمات ما، لأنه في حالة إعداد رئيس الحكومة لبرنامجه يمكن أنيتطور أي خلاف له مع رئيس الجمهورية إلى أزمة يستند فيها رئيس الحكومة على هذا النص الدستوري الذي يتيح له إعداد برنامجهالخاص، وبهذا تربك لجنة صياغة الدستور وحدة السلطة التنفيذية التي انطلقت منها لتهميش البرلمان من أي دور فعال في السلطةالتنفيذية. خاصة وأن دور الأغلبية البرلمانية في تعيين رئيس الحكومة سيقتصر على استشارة من رئيس الجمهورية لا تلزمه بأي شيء فيالنهاية، وأدناه أن يكون رئيس الحكومة منتميا إليها، وبكل تأكيد في ذلك اجحاف كبير لحقها.

كما أن مسألة تدعيم الرقابة البرلمانية عن طريق تمكين البرلمان من صلاحية مساءلة الحكومة حول تنفيذ القوانين، تبدو مسألة تقنية لا تقدماضافة جوهرية في دور السلطة التشريعية.

أما بخصوص اقتراح اللجنة تولي رئيس كل غرفة من غرفتي البرلمان تعيين عضوين من أعضاء المحكمة الدستورية لا يتمتعان بالصفةالبرلمانية وغير منتميين لأي حزب سياسي، ففيه تناقض مع جوهر العملية السياسية التي تقتضي غالبا العمل الحزبي لولوج البرلمان، ثمتحرم الحزب من تمكين مناضليه من ممارسة أي دور فعال في مؤسسات الدولة، ومبرر ضمان الحيادية في هذا النوع من الرقابة لا يستقيممع مبدأ التعيين من الأساس، لأن المعين سيبقى ولاؤه عمليا لمن عينه في النهاية، بدليل عمل هذه اللجنة نفسها التي أشارت إلى أنها قامتبما أوكل لها عمله، ولم تحاول الاقدام على أي تغيير جوهري في شكل النظام السياسي.

على المستوى المحلي ينتخب رئيس المجلس الشعبي البلدي، ويعين كل من رئيس الدائرة ووالي الولاية، وبذلك تبقى البلدية في موقع ضعفمهما منحت لها من صلاحيات في ظل وجود مؤسستين معينتين تخضع لهما عمليا، لأنه في النهاية يمكن اغراق رئيس المجلس الشعبيالبلدي في تفاصيل بيروقراطية في حالة اختلافه مع رئيس الدائرة أو الوالي، ومادامت مساحة المعين في هذا المستوى أكبر من المنتخب فإنالدستور الجديد إذا ما اعتمد بهذا الشكل فسيكرس الوضع القائم، ولن يحدث تغييرا كبيرا، وكان يفترض على الأقل الاستغناء عن مؤسسةالدائرة التي لا يعدوا عملها أن يكون حلقة بيروقراطية تعيق العمل السياسي الفعال؛ فالتطور الكبير في التكنولوجيا يتيح لرئيس المجلسالشعبي البلدي التواصل مباشرة مع وزارة الداخلية فضلا عن الولاية ناهيك برئيس الدائرة.

في النهاية تبقى ثنائية المنتخب والمعين معضلة يتوجب إيلاؤها أهمية كبيرة، والمبدأ العام أن الأساس في المنتخب وليس المعين، وأن المساءلةالانتخابية مع شرط النزاهة هي المعيار الأساسي في الدفع بعجلة التنمية وتطوير البلاد.

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.