الرئيسية » مقالات الرأي » جزائر 22 فبراير.. ثورة لم تكتمل؟

جزائر 22 فبراير.. ثورة لم تكتمل؟

قد نستيقظ ذات صباح في الجزائر، ويختلج فينا إحساس ممزوج بالحماسة والترقب من أن هذا اليوم لن يكون كغيره من الأيام، جرت التحضيرات على قدم وساق للمسيرات التي كانت مبرمجة ليوم الجمعة 22 فبراير 2019. ثمة قلق و ترقب لما ستؤول إليه الأحداث.

يوم جمعة ليس كغيره

في صبيحة يوم الجمعة في الثاني والعشرين من شهر فبراير 2019، كان من المفروض أن يكون يوم جمعة كغيره، يوم راحة وصلاة ويوم تسوق والتقاء. يتجمع أهل الحي في أرجاء المقاهي لاحتساء القهوة والشاي، ويتأهب المصلون لصلاة الجمعة كعادتهم، ويلتقون في مباراة الكرة الأسبوعية.

لكن في هذا اليوم، شاءت الأقدار أن تأخذ عجلة التاريخ منحى آخر ووتيرة أخرى، فقد صنعت شبكات التواصل الاجتماعي فضاء للاتصال والتحضير للمظاهرات. مئات الآلاف من الشباب خاصة ممن لديهم حسابات على فيسبوك وأنستغرام و تويتر يتداولون أخبارا عن احتمالات التظاهر.

لحظات طويلة غير متناهية من الترقب والانتظار والغموض وحتى الخوف، لم تثن مئات الآلاف من الرجال والنساء لضرب موعد مع التاريخ.

في الوقت الذي بدأت المساجد بالامتلاء بالمصلين، يطلعنا تويتر على خبر محاولة اعتصام أمام ساحة أول ماي بالجزائر العاصمة في حدود الساعة الواحدة وأربع دقائق، و قد قام رجال الأمن بفضه وقاموا بوضع متاريس لإثناء الجموع عن التجمهر بالساحة ذاتها وحواليها بعدما تدفقوا من كل حدب وصوب.

علمنا من شهود عيان اصطفاف عشرات مركبات قوات مكافحة الشغب في الشوارع المكتظة في العاصمة وفي الساحات العمومية، فتم اعتقال العديد من المعتصمين كإجراء احترازي، ولكن شعار التظاهر انتشر مثل النار في الهشيم، في كل أرجاء الجمهورية وبدأ الناس يتظاهرون في عنابة وسطيف والبويرة وتقرت وغليزان.

عشية هذا الحدث قام السيد علي غديري بالتوجه للشعب بخطاب في منتصف الليل، وكأنه رأى نفسه رئيسا للجمهورية، وبعدها العديد من وسائل الإعلام تواترت خبر انقطاع الانترنت عند كل متعاملي الاتصالات يوم 21/02/2019 في حدود الساعة العاشرة ليلا.

أفول أسطورة السلطة الأبدية

للتذكير أنه عشية هذا اليوم، يطل على الشعب الجزائري عبر القناة الوطنية رئيس الجمهورية المستقيل عبد العزيز بوتفليقة وهو مريض لتنصيب السيد الطيب بلعيز رئيسا للمجلس الدستوري، رغم ندرة ظهور الرئيس في المحافل الرسمية فقد جعلت الآلة الإعلامية الرسمية من إطلالاته النادرة حدثا وطنيا لبعث برسائل ضمنية للمناوئين للرئيس بأنه لازال قائدا للسفينة، ورسالة أخرى للشعب لطمأنته من طول الغياب.

لقد كان تعيين الطيب بلعيز رئيسا للمجلس الدستوري في تلك الظروف بمثابة حجرة الشطرنج التي عجلت بسقوط الملك  بحكم أن النظام عول على هذا التعيين لضمان قبول ملف الترشح للرئيس المنتهية ولايته وإثناء المترشحين الآخرين عن الترشح أو على الأقل عرقلتهم.

على بعد 260 كلم شرقي الجزائر العاصمة، تجري التحضيرات على قدم وساق للتظاهر ضد العهدة الخامسة للرئيس المنتهية عهدته، يمكننا قراءة شعارات على قطع القماش أو على الألواح: “لا للتخريب، نريد التغيير”، أو رقم 5 مشطوب، وهذه الشعارات رسائل واضحة للتأكيد على روح التحضر والانضباط التي يجب على المتظاهرين التحلي بها، لأن روافد الدولة العميقة توهم من في الداخل والخارج بأن هؤلاء شرذمة تحاول بث الفرقة والفتنة بين أفراد الشعب الواحد، أو التعاون مع الأيادي الخارجية من أجل زعزعة أمن واستقرار البلاد، وكان المغزى من وراء كل هذه المحاولات إسكات أي صوت معارض ينتقد توجهات النظام الحاكم، وبالنسبة للتغيير السلمي فهي رغبة ملحة تنبع من عمق مأساة ومعاناة الشعب بكل أطيافه رغم سنوات الجمر التي حصدت أرواح الأبرياء وخيرة أبناء الجزائر.

أخبار تتوالى عن مظاهرات في كل من بوقاعة بولاية سطيف وعنابة ومشدالة بالبويرة وبومرداس وتيارت، فكانت الهبة كبيرة وخرجت الناس في الشوارع كالسيل العرم، وقد لوحظ أن نشاط منصات التواصل الاجتماعي كانت أكثر حضورا وتأثيرا من الشبكات الإعلامية التقليدية التي بيد السلطة آنذاك.

ما أعطى دفعا أكبر للمظاهرات هو عمق الخلاف على أعلى هرم في السلطة، فخرج الصراع للعلن بعدما كان خفيا والكل بات يعرف أن انفجارا بات وشيكا بين هيئة الاركان للجيش ورئاسة الجمهورية، بسبب خلافات عميقة حول طريقة الحكم.

“مظاهرات ضد العهدة الخامسة: من أجل الكرامة”، كان ذلك عنوان غلاف الصحيفة الأسبوعية الوطن الأسبوعي، للعدد الصادر عشية المظاهرات، لقد كان عنوانا شجاعا ولكنه لم يتوقع حجم تحرك الفئات الشعبية لأنه بكل بساطة فقد تعدى سقف المطالب مجرد معارضة العهدة الخامسة إلى المطالبة برحيل النظام برمته، إحداث القطيعة مع النظام المتسلط والمطالبة بالعدالة الاجتماعية وكذا إصلاح شامل لمؤسسات الدولة.

لقد وردنا خبر عن امتناع مصلين عن صلاة الجمعة بمسجد ببجاية وذلك بسبب حديث الإمام في مستهل خطبة الجمعة عن حرمة الخروج عن الحاكم، وما هو معروف عن هذا الشعار أنه متداول عند المداخلة، نسبة إلى ربيع ابن هادي المدخلي ذو الجنسية السعودية والذي أسس للتيار المدخلي في بداية التسعينيات من القرن الماضي. يعتنق أفكاره في الجزائر ممن يعرف بالسلفية العلمية التي تنبذ الخوض في السياسة بحجة أن الإسلام دين تزكية وتربية ولا مكان للسياسة فيه.

يتهيكل التيار المدخلي حول أئمة مساجد خارجة عن دائرة السيطرة الحكومية، بعيدا عن تعليمات وتأثير وزارة الأوقاف، بالإضافة إلى أن هذا التيار قد اكتسح الأحياء الشعبية للأوساط الحضرية الكبرى. منتقدو هذا التيار يعيبون عليه أنه يروج لإسلام تقليدي مخدر يعرض عن إعادة النظر في الوضح الحالي للمجتمع والدولة ، وبذلك يخدم الأنظمة الديكتاتورية والمتسلطة في إحكام قبضتها على مصائر ونواصي شعوبها.

بزوغ الأمل من رحم المعاناة

طيلة يوم كامل تناول نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي هاشتاجات لاقت تداولا واسعا منها (#لا_للعهدة_الخامسة) و (#حراك_22_فبراير)، ففي مدينة الجزائر تجمع المواطنون بعد الانتهاء من صلاة الجمعة حسب ما تداولته الأخبار، وقد لوحظت مسيرة كبيرة متوجهة من حي باب الواد إلى ساحة البريد المركزي حسب خبر أورده الصحفي إلياس حباس، ونقلا عن موقع الراصد نيوز فإن عدة مظاهرات قد سجلت في كل من مدن العاصمة، قسنطينة والجلفة وبجاية وسطيف احتجاجا على العهدة الخامسة للرئيس المنتهية ولايته.

في حدود الساعة الثانية زولا، بدأت المواقع الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي  تتداول تسجيلات مرئية لتوثيق المسيرات والمظاهرات. انطلقت مسيرة حاشدة من ساحة البريد المركزي متوجهة نحو قصر الحكومة رغم تحذيرات قوات مكافحة الشغب. ومن الشعارات التي أطلقها المتظاهرون “السلطة مجرمة” ، “لا للعهدة الخامسة” و”تحيا الجزائر”.

في الوقت الذي وصل فيه المتظاهرون إلى قصر الحكومة، نشرت وكالة الأنباء الجزائرية ألبوم صور للفنان المصور عمار بوراس تحت عنوان: “1990-1995-الجزائر وقائع فوتوغرافية”، صور تذكرنا بوقائع سنوات الجمر أو المأساة الوطنية والتي أدخلت الشعب الجزائري برمته في حالة من الاضطراب ما بعد الصدمة جماعي (Choc post-traumatique)، والسؤال المطروح هل تزامن هذا المنشور والأحداث صدفة؟ والجواب لا، بحكم أن استدعاء تلك الفترة تكون دائما في إطار التخويف والترهيب من مغبة إثارة القلاقل والعودة إلى جهنم الفوضى والتناحر.

لقد أبدع المتظاهرون في الشعارات ففي بجاية نقرأ على الألواح “سئمنا من هذا النظام”، و”منطقة القبائل من الجزائر”،  الذي يؤكد أن الجزائر واحدة غير قابلة للتجزئة والانقسام. شعار آخر “أولاش سماح أولاش” بمعنى لن نغفر لهذا النظام، فهذا الشعار الأخير يعد إرثا من الأحداث التي عرفتها المنطقة في 2001 بعد وفاة الشاب محمد قرماح المدعو ماسينيسا في مستشفى مصطفى باشا بعد تلقيه طلقات نارية قاتلة في مقر الدرك الوطني في بني دوالة بتيزي وزو.

استمرت المسيرات والمظاهرات إلى غاية الساعة السابعة ليلا، وبعد محاولة متظاهرين السير نحو رئاسة الجمهورية في المرادية في أعالي العاصمة نشبت مواجهات بين مجموعات متفرقة من المتظاهرين وأفراد قوات مكافحة الشغب عند حي تليملي وقصر الشعب.

لقد شوهد اندلاع حرائق في بعض المزابل العمومية، مما يوحي حسب المتتبعين أنه تم افتعال الاضطرابات لإفساد الحدث وإثارة الفوضى.

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.