كورونا في الجزائر
مؤكدة 55,081 وفيات 1,880 متعافون 38,482 نشطة: 14,719 آخر تحديث: 22/10/2020 - 04:31 (+01:00)
مقالات الرأي

حينما يريد ترامب الأوكسجين لنفسه فقط

في مشهد غير مسبوق خرج دونالد ترامب لشوارع واشنطن محاطا بمستشاريه في طريقهم إلى كنيسة “ساينت جون” القريبة من البيت الأبيض التي أُحرقت  إثر الأحداث الأخيرة التي جاءت كردة فعل على مقتل “جورج فلويد” على يد أحد رجال الشرطة.

الدين لأغراض سياسية!

تعتبر هذه الكنيسة، رمزا تاريخيا ودينيا استخدمها كثير من الرؤساء الأمريكيين السابقين في المراسيم الوطنية. أما ترامب فاستخدمها لرسالة سياسية، ردا على المظاهرات الشعبية، ليقول أن الوضع تحت سيطرته، وأن قبضته الأمنية قوية.

للحفاظ على صورته كرئيس يقود البلاد في هذه الأزمة، وقف ترامب أمام الكنيسة رافعا نسخة من الإنجيل، مستعطفا قاعدته الشعبية المتدينة، في حقيقة الأمر، لا يذكر لترامب تعلقه بالدين المسيحي، أكثر من تعلقه بمراكمة الأموال وتحقيق الأرباح، فلم يبال حتى بقراءة مقطع واحد من الإنجيل، ولكنه يستخدم هذه المشاهد، لحسابات أخرى، وربح آخر، هي الانتخابات القادمة المحدد إجراؤها في الثالث من نوفمبر من هذا العام. فالانتخابات هي شغله الشاغل حاليا، ومحفز معظم قراراته السياسية.

لم تتضح معالم المعركة الانتخابية بعد، فالوضع العالمي الحالي إثر تفشي فيروس كورونا، أدخل المواعيد في حالة من الشك وعدم اليقين، والأحداث الداخلية الأمريكية من مظاهرات سلمية وأعمال شغب قد تغير مجرى الأمور،  ولكن الثابت الوحيد حتى الآن، هو ترشح دونالد ترامب لولاية رئاسية ثانية ممثلا لحزبه الجمهوري، في مواجهة مرشح الديموقراطيين ” جو بايدن”.

“إن ترامب غير متوازن ومزاجي، يختار معاركه دون سبب، ويبدو أن ليس لديه أيديولوجية أخرى سوى عبادة نفسه”
ستوارت ستيفنز – إستراتيجي الحزب الجمهوري

تعرض ترامب للسخرية والتندر، في بدايات ترشحه لرئاسيات 2016، قال بعضهم إن ترشحه يومها، جاء دعاية وترويجا لأعماله وشركاته فقط، أما المحللون الضالعون في السياسة، فاستبعدوا فوزه نهائياً، واعتمدوا في ذلك، على افتقار ترامب للتواصل السياسي، وغياب ديبلوماسية الحوار في أساليب أدائه. لم يسلم ترامب، حتى من الجمهوريين أنفسهم في حملته الانتخابية الأولى، حينها قال عنه “ستوارت ستيفنز” إستراتيجي الحزب الجمهوري “إن ترامب غير متوازن ومزاجي، يختار معاركه دون سبب، ويبدو أن ليس لديه أيديولوجية أخرى سوى عبادة نفسه”.

ما قاله المحللون حينها لم يكن مبنيا على خطأ منهجي تقييمي، فحتى مع تجاهل تاريخ ترامب السياسي، يكفيه النظر فقط، إلى حملته الانتخابية لتكشف له عن كثير من التناقضات في تصريحاته، كذب غير مبرر، وارتجال يصل حد الوقاحة أحيانا، أساليب تبناها دونالد ترامب في حملته الانتخابية، ضربت بعرض الحائط ما عرف عن إدارة الحملات الانتخابية الأمريكية من رصانة وقوة.

إعلام يترقب

ونظرا لاستعماله طرقا غير مألوفة في حملته الانتخابية، حصل ترامب على الكثير مما يسمى بالتغطية الإعلامية المكتسبة، حيث غطت وسائل الإعلام ترامب بشكل واسع كونه لافتاً للنظر، ولكن الضريبة التي تدفع مقابل التغطية الإعلامية المكتسبة، هو كون أغلبها سيُغطي الحملة بشكل سلبي، لأن ترامب لم يعتمد كثيرا على التغطية الإعلامية المدفوعة مقارنة بغريمه السياسي حينها “هيلاري كلينتون”، ولعل الأمر سيتكرر أيضا مع الحملة الرئاسية القادمة، والتي يبدو أن مقتل جورج فلويد قد عجل بها، حيث يعرف المشهد الإعلامي الأمريكي هذه الأيام فورة كبيرة، تظل معها الأضواء مسلطة على حركات الرئيس ترامب وسكناته، وتصريحاته المثيرة للجدل، وخرجاته غير المألوفة.

فكيف فاز ترامب باللعبة الانتخابية، بعد ما كسَّر قواعدها؟ سؤال يطرح نفسه من جديد حينما نبحث في جاهزية ترامب الإعلامية للانتخابات القادمة أواخر هذا العام.

على عكس ما اعتقد كثيرون، خطط ترامب طويلا للمعركة السياسية قبل خوضها، ففي سنة 2012 أي قبل 4 سنوات من الانتخابات الرئاسية السابقة، قرر دونالد ترامب اعتماد شعار “اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” واحتكر حقوق نشره لنفسه. أما من الناحية الشخصية، فقد كان ترامب متهيئا للتعامل مع الإعلام بشكل مميز. دائما ما نتذكر ترامب رجل الأعمال، وننسى شخصيته الإعلامية التي برزت في برنامجه ” ذا أبرينتايس” الذي كان جزءا من صناعة الترفيه والثقافة الشعبية الأمريكية، وهو ما جعله يبدو أقرب للناخب الأمريكي البسيط.

“سأقوم بامتصاص كل الأكسجين من الغرفة. أعرف كيف أتعامل مع وسائل الإعلام بطريقة لن يطفئوا فيها الأضواء علي”
دونالد ترامب

لقد صاغ ترامب لنفسه صفة رجل أعمال ناجح، كشخص من خارج المنظومة السياسية الأمريكية، وتعهد بإعادة هيكلتها من الداخل، ولكن أيضًا صور نفسه كمرشح يحمي الشركات وأصحاب المال. كان يوصل رسائله، للعديد من شرائح المجتمع الأمريكي، مما زاد من حظوظه. لقد كان شعبويا بامتياز.

قبل المضي في حملته في الانتخابات السابقة، اجتمع ترامب مع سياسيين من الحزب الجمهوري في برجه بمدينة نيويورك. أوضح لهم ما سيفعله مع وسائل الإعلام حين قال: ” سأقوم بامتصاص كل الأكسجين من الغرفة. أعرف كيف أتعامل مع وسائل الإعلام بطريقة لن يطفئوا فيها الأضواء علي”، رد أحدهم ” ولكن ليس بإمكانك أن تصبح رئيسا بالاعتماد فقط على التغطية الإعلامية المكتسبة”، رد ترامب: “أعتقد أنك مخطئ، إن الأمر يتعلق حقا بقوة الجمهور”.

هنا نرى بأن ترامب كان يعي فعلا ما يريد فعله، وأن استراتيجيته لم تكن خبط عشواء، كما يعتقد البعض، وإنما دُرست بعناية فائقة.

لقد أدرك ترامب أن الرأي العام لا يأتي فقط من الصحف، والقنوات التلفزيونية، إنما هنالك مصادر أخرى قد تكون أكثر فاعلية، ولهذا استثمر وقته في مواقع التواصل الاجتماعي، لاسيما “تويتر”. لترامب حضور بارز في تويتر فهو يغرد بنفس اللغة العفوية والمنفعلة التي يتحدث بها، مستخدماً إنجليزية بسيطة، وأحيانا بأخطاء إملائية، نحوية وصرفية. كل هذه الأدوات التعبيرية تجعل من ترامب يبدو وفياً لشخصيته، لا متملقاً، حتى وإن كانت شخصيته تملك الكثير من الصفات السيئة.

بعد نحو أربع سنوات من الرئاسة، لم يتخل ترامب عن أساليبه، فهو في معركة دائمة مع الإعلام، ودائما ما يصف وسائل الإعلام البارزة والرئيسية بالمزيفة. كلما هدأت حرب أشعل ترامب فتيل حرب جديدة مع الإعلام، وكأنه لا يريد للحرب أن تنتهي، جزء من هذا تفسره شخصيته النرجسية، التي تبحث عن اهتمام الإعلام بها، أما الجزء الآخر فهو يرى أنه كلما غطاه الإعلام بشكل مكثف، كلما زادت حظوظه في الفوز.

رئاسيات بطعم كورونا

لرئاسيات 2020 حكاية أخرى، فهي لا تجري في أوضاع طبيعية، حيث لا يمكن التكهن بمدى تأثير فيروس كورونا على هذا الحدث، وكيفيات إجراء الانتخابات، وأدوارها، وإن كانت ستؤجل أو ستقام في موعدها، غير أن فيروس كورونا سيكون حتما موضوعا محوريا في الانتخابات الأمريكية هذه المرة، فالإصابات بالفيروس اقتربت من مليوني حالة بالولايات المتحدة، أي ما يساوي ثلث إصابات العالم، وهو ما يُعد مشكلة حقيقية للولايات المتحدة. يبرر ترامب تعثره في إدارة أزمة كورونا، بلوم حكام الولايات المختلفة.

فيروس كورونا وأثره الاقتصادي، مرافقا لحركة شعبية عارمة في كل الولايات بعد موت ” جورج فلويد”، قد يكون هذا أصعب امتحان تلقاه ترامب في عهدته الرئاسية الحالية، فقد أتت هذه الأزمة في وقت حساس جدا، وأثرها الاقتصادي والاجتماعي سيكون جليا على معنويات الناخب الأمريكي. قنوات تلفزيونية وجرائد مختلفة تهاجمه، والحزب الديمقراطي يتجند وراء “جو بايدن”، نائب الرئيس السابق “باراك أوباما” ليمثلهم في الرئاسيات، يبدو ترامب وفيا لأساليبه التي جاءت به لكرسي الرئاسة في 2016، ولكن هل ستنفعه فعلا هذه المرة، أم أنه سيضطر لتغيير استراتيجيته الإعلامية في انتخابات نوفمبر هذه السنة؟

حالات كورونا في الجزائر

مؤكدة
55,081
وفيات
1,880
شفاء
38,482
نشطة
14,719
آخر تحديث:22/10/2020 - 04:31 (+01:00)

نبذة عن الكاتب

يوسف خليل

يوسف خليل

يوسف خليل طالب في الاتصالات والدراسات الإعلامية بجامعة " كارلتون" في أوتاوا ـ كندا . عضو جمعية الطلبة المسلمين في كندا ، مدير التسويق في جمعية المغرب العربي في كندا . يكتب في السياسة والتاريخ ولديه اهتمام بالجرافيك والتصميم الإعلاميين، صاحب مدونة QSOUR

اترك تعليقا