الرئيسية » مقالات الرأي » دسترة الأمازيغية ومأزق السجين!

دسترة الأمازيغية ومأزق السجين!

دسترة الأمازيغية ومأزق السجين!

مسألة اللغة الأمازيغية أو “تمازيغت” في مسودة الدستور الجديد هي أكثر المواضيع إثارة للجدل على مواقع التواصل الاجتماعي مقارنة بالمواد الأخرى، وتتمايز فيها المواقف والرؤى من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وهناك ثلاثة أطراف معنية أكثر بهذه القضية والذين يجدون أنفسهم في موقف مشابه لمأزق السجين في نظرية الألعاب.

الطرف الأول يتمثل في السلطة السياسية والتي تؤثر على قرارها العديد من العوامل أبرزها أن دسترة الأمازيغية كان في الدستور السابق وبالتالي فإن إلغاءها بشكل كامل سيعزز من شعبيتها عند الرافضين للأمازيغية من الذين شاركوا في الانتخابات وهاجموا الحراك الشعبي انطلاقا من اعتبارات هوياتية، لكنه في المقابل قد يثير الطرف المؤيد للأمازيغية ويتيح له حشد أتباعه لحركة احتجاجية في منطقة القبائل.

أما الخيار الثاني والذي جاء في المسودة والذي يقضي بتعزيز مكانتها فإنه أرضى المعارضة المحسوبة على التيار الأخير، ولكنه في الوقت نفسه أغضب المؤيدين للسلطة واعتبروا ما حصل تنكرا للمبادئ النوفمبرية والباديسية.

من هذا المنطلق فإن تغيير أو إبقاء المواد المقترحة كما هي في النسخة النهائية المعتمدة ستكون له انعكاسات على السلطة السياسية.

مأزق المؤيدين للأمازيغية لا يقل سوءا عن وضع السلطة فقبولهم بهذه المسودة من الدستور والتصويت عليها بـ”نعم” يظهرهم كانتهازيين تتحكم فيهم العصبيات الهوياتية وليس مبادئ الحرية والديمقراطية التي يرفعونها ويعارضون النظام على أساسها، وبالتالي يتأكد أن هذه المبادئ هي مجرد أدوات وليست غاية في حد ذاتها، وفي حالة رفضهم للمسودة انطلاقا من مبادئهم فإنهم وإن حافظوا على رأس مالهم القيمي إلا أنه في المقابل قد يكلفهم خسارة فرصة كبيرة يمكن أن لا تتحقق لهم مرة أخرى، كما أنه سيعزز القناعة عند السلطة بأنهم تيار متطرف في مطالبه، وكرد فعل ستنتزع منهم مكاسب أخرى على مستوى السلطة التنفيذية بعدم منح حقائب وزارية لأي شخصية تحسب عليهم من قريب أو بعيد.

التيار الرافض للأمازيغية يعتبر المسودة ثاني ضربة يتلقاها من السلطة، فقد أبدى أنصاره امتعاضا كبيرا من استوزار شخصيات كانت لوقت قريب تهاجم السلطة ورافضة للانتخابات الرئاسية، ثم جاءت مسودة الدستور التي كانوا يتوقعون أن تحذف النص على رسمية اللغة الأمازيغية فيه أو تُبقي الوضع كما كان عليه في الدستور السابق على الأقل.

وهم يطالبون بالتصويت بـ”لا” على الدستور وإسقاطه شعبيا، ولكن التحدي يكمن في القدرة على إقناع المعارضين بالنزول والتصويت برفض الدستور، هذا من جهة.

ومن جهة ثانية، فإن الطرف الآخر يمكنه أن يحشد أتباعه ويصوت على تأييد الدستور وبالتالي تمريره، وفي هذه الحالة فإن التيار المعارض للأمازيغية سيرفع من نسبة المشاركة مما يعزز من شرعية الاستفتاء لكن دون أن يتمكن من رفضه.

في المحصلة الأخيرة، سيبقى هذا الموضوع محل جدل بغض النظر عن نتائج الدستور لأن المشكلة الأساسية أن الخلاف الجوهري والحقيقي ليس في اللغة بحد ذاتها، وإنما هي شجرة تخفي وراءها نزاع آخر أعمق مرتبط بالدين.

فبالنسبة للكثير من الرافضين للأمازيغية فهم يعتبرونها وسيلة يوظفها التيار التغريبي الفرونكوفوني لضرب اللغة العربية ومن ورائها ضرب الإسلام، وهذا الارتباط هناك الكثير من القرائن عليه.

وفي المقابل فإن السؤال الذي يُطرح: هل حماية الإسلام في هذه الحالة تستوجب بالضرورة الهجوم على الأمازيغية ورفضها من الأساس؟ أليس من حق المتكلمين بالأمازيغية الاحتفاظ بها والعمل على تطويرها؟ والسؤال الذي يتبعه هل تعزيز مكانة الأمازيغية يقتضي بالضرورة تعميمها على كل ولايات الوطن وفرضها على من لا يتكلم بها ولا يريد ذلك؟ مثل هذه الأسئلة وغيرها تبين أن التحدي الذي يواجهنا كجزائريين يكمن في القدرة على الفصل بين هذه الأبعاد بطريقة مرنة تضمن كل الحقوق الهوياتية وتجعل منها نقاط قوة وليس ضعف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.