الرئيسية » مقالات الرأي » “ستموت في العشرين” لأمجد أبو العلاء.. على حافة الفَناء

“ستموت في العشرين” لأمجد أبو العلاء.. على حافة الفَناء

"ستموت في العشرين" لأمجد أبو العلاء.. على حافة الفَناء

فيصل شيباني

يحيلك عنوان الفيلم “ستموت في العشرين” للمخرج السوداني أمجد أبو العلاء، المتوج بجائزة النجمة الذهبية في مهرجان الجونة السينمائي الدولي “19-27 سبتمبر 2019″، لقضية وجودية، وتأخذك أحداث الفيلم لانتظار مصير فتى ستنتهي حياته في العشرين لأن المعتقدات القبلية والمسلمات الدينية أرادت ذلك، فأي حياة تنتظر هذا الولد الذي بمجرد أن رأى النور حكم عليه بالموت، وكأن حياة الناس مربوطة بمعتقدات بالية لبعض الشيوخ مازال البشر يؤمنون بهم.

“ستموت في العشرين” يلخص رحلة الطفل “مزمل”، ورحلة المخرج السوداني أمجد أبو العلاء في تحقيق منجوه الفني الذي اشتغل عليه لسنوات طويلة في غياب الدعم المادي داخل بلد فيه نظام لا يؤمن بشيء اسمه السينما، يحاول المخرج تقديم تجربة فنية متفردة بأسلوب طرح جديد وفلسفي بلمسة جريئة طارقا بها مواضيع المسلمات الدينية والأفكار البالية بعين ناقدة تنظر للأشياء بواقعية وتلامس حقيقة مرة ومشتركة بين الشعوب العربية وليس موضوعا محليا واحدا متعلقا بطبيعة المجتمع السوداني فقط.

اعتاد البعض على محاكمة الأفلام دينيا بعيدا عن الأطر الفنية، معتبرين أن الدين والمعتقدات خط أعمر فوق النقد، فينهال هؤلاء على أي منجز فني  يعري بعد الممارسات والاعتقادات الخاطئة، ويبنون آراءهم وفق منطق ديني بحت، ويكيلون التهم لصاحب العمل وهي ميزة عربية صرفة، والطامة الكبرى أن هذا لا يأتي من طرف المشاهد البسيط فقط بل يتعداه إلى من يوصفون بالنخبة، هذا الأمر واجهه مخرجون كثيرون وأمجد أبو العلاء واحد منهم، وهو الذي استطاع أن ينبش ويعري بعض المعتقدات عن الطرق الصوفية التي ترى بأنها تملك الحقيقة وفقط ووصل بها الأمر أن تقرر حتى في مصائر الناس.

تدور أحداث الفيلم وهي التجربة الروائية الطويلة الأولى للمخرج أمجد أبو العلاء في قرية سودانية، حينما تضع امرأة ابنها “مزمل” بعد أعوام من الانتظار، إلا أن نبوءة صوفية تقول بأن الطفل سوف يموت حينما يبلغ سن 20 هنا تصبح فرحة الأم تعاسة لأنها تنتظر اللحظة التي لن ترى فيها ابنها مرة ثانية فيتحول الرقم 20 إلى كابوس، تدفع فلذة كبدها لحفظ القرآن ونظرات الجيران كبارا وصغارا تلاحقه والكل ينفر منه وكأنه مصاب بمرض معد، فتمر السنوات ويكبر مزمل وهو محاط بعيون الشفقة، التي تجعله يشعر وكأنه إنسان ميت، تنقلب حياته مع عودة سليمان إلى القرية، بعد أن عمل مصورا سينمائيا في المدينة ما يجعله في ثوب المتحرر بحكم انفتاحه على الفن، ومن هنا تتغير حياة مزمل ليرى العالم بشكل مغاير تماما، من خلال جهاز قديم لعرض الأفلام السينمائية في منزل سليمان، تتوطد العلاقة بينهما ويزداد وعي الفتى وتتغير شخصيته ويدخله الشك بخصوص نبوءة وفاته في سن العشرين.

تلعب الأم دورا مهما في حياة ابنه فتحاول حمايته بكل ما أوتيت من طاقة، ولكنها في الوقت ذاته تؤمن بتلك النبوءة فتصير حياتها روتينا كبيرا خاصة بعد قرار زوجها مغادرة البلد بعد سماعه بتلك النبوءة الذي لم يعد إلا بعد مرور عشرين سنة، وتستمر أحداث الفيلم ويصل اليوم المشؤوم فيجد مزمل نفسه بين الشك والحيرة بين الموت وركوب الحافلة التي تنقله إلى عالم يريد اكتشافه بشغف.

يظهر المصور سلمان، ليمنح الطفل مبررا كافيا للحياة في مواجهة الموت، وإبطال تلك المعتقدات البالية ويحاول أن يفتح عينيه على الوجود والحياة الحقيقية وتشكل وفاة سليمان لحظة فارقة في تغيير ذهنية مزمل الذي يقرر فتح نافذة جديدة على الحياة بعيدا عن قريته لأنه يدرك أن الانطلاقة الحقيقية بعيدة عن الترهات التي تعيق تقدم الإنسان هذا الانسان وجد كينونته بعيدة عن محيطه المثبط.

رصد أمجد أبو العلاء في فيلمه “ستموت في العشرين” المقتبس عن قصة بعنوان “النوم عند قدمي الجبل” للكاتب حمور زيادة، هواجس الإنسان ومخاوفه الوجودية، وهو تناول ليس بالجديد في السينما ولكن بمقاربة مختلفة ووجهة نظر فلسفية دينية، مرتبطة بالمعتقد على وجه الخصوص وتأثير المعتقدات الشخصية والموروث الاجتماعي في ما يتعلق بتصورات الفناء الإنساني على سلوك الأفراد وكيف يتسلل اليأس ويقبع كضيف ثقيل يلازمك طيلة 20 سنة في حياتك ويجعلك تنتظر اليوم الذي ستموت فيه وتصير حياتك بلا معنى.

يلعب المخرج على الصراع بين الموت والحياة بنهاية لصالح الأخير، ويجعلنا نقف أمام الموضوع وجها لوجه بدون مسافة ففي النهاية الكل معني بالأمر، بمنظور عدة شخصيات في الفيلم، فاليقين يتحول إلى شك ومنا هنا تكون نقطة التحول فالسينما والحب منحا الحياة لمزمل فصديقته التي منحته الحب أعادت له الأمل في الحياة وسليمان فعل نفس الشيء وأنقذه من الضياع وشيوخ الدين أفقداه الأمل وجعلاه يغرق في دواماته اللامتناهية وفي النهاية انتصرت الحياة وانطلق بطل الفيلم في رحلة الاحتفال بالوجود ولذة الحياة.

اختار المخرج السرد البسيط بعيدا عن التعقيد لأنه الأسلوب الملائم لطرق هذا الموضوع ولو ببعد فلسفي في بعض الفترات ينقد خلاله العقلية الوحشية لدعاة التنجيم وملاك الأمور الغيبية فيجعله صراعا فكريا ضد هذه الأفكار الإقطاعية، هذا الصراع الدرامي الثنائي خدم العمل جيدا وجعل المشاهد يؤمن بانطلاقة حقيقية لسينما سودانية جديدة مرادفة لانطلاقة مزمل في الحياة والتي كانت السينما أحد أهم أسبابها.