الرئيسية » مقالات الرأي » “سلالم ترولار” لسمير قسيمي .. رواية ملعونة لكاتب أكثر لعنة

“سلالم ترولار” لسمير قسيمي .. رواية ملعونة لكاتب أكثر لعنة

"سلالم ترولار" لسمير قسيمي .. رواية ملعونة لكاتب أكثر لعنة

فيصل شيباني

على الرغم من حجمها الصغير-167صفحة- تشكل رواية “سلالم ترولار” للروائي سمير قسيمي، مادة دسمة من حيث ما تناولته من مواضيع صبت مجملها في نقد الواقع الجزائري، ومن ثمة العربي على أكثر من صعيد، رواية كتبت بلغة قوية وسلاسة منقطعة النظير، بحيث تتابع فيها الأحداث برتم سريع وديناميكية غريبة لا تتيح للقارئ أية فرصة للتمهل أو التوقف.

من العنوان المحيل إلى أحد الأحياء الشعبية الأكثر شهرة في العاصمة، إلى آخر صفحة والتي ليست إلا صورة الغلاف، إبتكر سمير قسيمي قصة تنتقد الواقع السياسي والإجتماعي للجزائر بجرأة لم يسبقه إليها أحد، فالرمزية والفانتازيا اللتان ميّزتا أحداث الرواية وشخصياتها لم تكونا حاجزا يمنع القارئ من مطابقة شخصيات العمل مع شخوص من الواقع الحقيقي، ولم تكن الأحداث على الرغم من غرابة بعضهاغريبة بالنسبة للقارئ، وكأن الكاتب لم يستعن بالفانتازيا إلا ليقول أن الواقع أكثر فنتازية، ولم يعمد إلى الترميز إلا ليستر واقعا لا يمكن لكل مساحيق العالم أن تخفي وجهه.

كتب سمير قسيمي نصا مؤلما بأسلوب ساخر، ورسم شخصيات بقلم كاريكاتيري، فلا تكاد أن تقرأ وصفه لأي شخصية من غير أن تضحك، ولكنه ضحك كالبكاء، يدفع بالقارئ إلى التأمل وإلى مقت الروائي ولعنه فقط لأنه يجبره على الوقوف عند حقيقته كـ”مواطن بلا رأس، تحتل بطنه أكبر مساحة من جسده”، وهي حقيقة عبثا يحاول المواطن العربي تجاهلها.

يصفع الكاتب قراء عمله الروائي التاسع بقصة بلد تختفي فيه الأبواب، بحيث ينمحي الخط الفاصل بين الظاهر والخفيّ، ليغدو عالما بلا أسرار، فكرة فلسفية بلا شك ولكن إسقاطها على واقع أوطان تحترف فيها الأسرار، وعلى أناس لا يبقيهم على قيد الحياة إلا ما يظهرونه للناس، وهو ما يكون عادة مختلفا عما يبطنونه، إسقاط هذه الفكرة رغم بساطتها يحدث كارثة بلا شك، لا على مستوى الأنظمة المستمدة قوتها من البطش فحسب بل على مستوى المواطن البسيط.

في الرواية، تتوزع شخصيات أحسن الكاتب خلقها، بحيث وبأسلوب ساخر جدا وحّدها في صفات القبح بحيث لم تنج شخصية من إستقباح الكاتب وكأنها طريقته ليقول “لا جمال في عالم خلقه القبح”. هذا ما يشعر به القارئ كلما تقدم في الرواية ليتعرف على جمال حميدي-البواب، المقعد، القصير،المقعد، البدين، المشعّر، الأحمق….- وعلى أولغا/حورية/- اللقيطة، السمينة، المريضة بالبرص، المتشاعرة، الشبقة، الانتهازية، اللاإنسانية، الخائنة- وعلى إبراهيم بافالولو- البخيل، المنافق، الجبان….، وهكذا يوزع سمير قسيمي بلغة وظفت أقصى ما تستطيع اللغة توظيفه من جمالية وسلاسة وحتى مباشراتية تخرج القارئ من توقعه اللغوي.

بلا شك، تدفع “سلالم ترولار” القارئ إلى حالة قنوط، ربما تجعله ييأس من كل شيء، فلا بطل في الرواية إلا كاتب يسخر من قرائه، ينعتهم بكل ما لا يحتمل: أنديجان، مواطنون بلا رأس، كوافا، كعب، حتى أنه ومع آخر ما تبلغه الرواية في تقرير انتصار الرجل الضئيل، وهي شخصية تصنع الرؤساء وتبتكر الأحداث السعيدة والمؤلمة، في صنع رئيس جديد للدولة المدينة، يقول عنه الكاتب أنه الأصلح بسبب عاهاته، لأن الشعوب العربية لعاهاتها المتجذرة في التاريح ستحب أن ترى نفسها في رئيس يشبهها في العاهة.

 هكذا وبلا مجاملات ولا تجميل، يبصق سمير قسيمي في وجه قرائه وينعتهم بأبشع الأوصاف كطريقة راديكالية وقاسية في إمعان إذلالهم، لعلهم وربما بعدها يستفيقون.

يكسر الكاتب على مدار أحداث الرواية كل توقعات القارئ، ففي الوقت الذي يمنح شخصيات مساحات مهمة بحيث ينتظر منها أن تكون فاعلة في النص، يئد سمير قسيمي الإحتمال، فيمحوها بجرة قلم، كما فعل مع شخصية إبراهيم بافالولو، الذي “قتله” بلا مبالاة. يقول الكاتب: “الرواية كالحياة تماما، هل حين يأخذ منه الموت حبيبا أو صديقا يبرر القدر ما سطره؟”. وبالفعل، لم يبدو سمير قسيمي مباليا طيلة الرواية  بما يسعد أو يفرح قارئه، حتى أنه وبسبب أحداث كثيرة ظهر غير معني إلا بنصه، مانعا أية مشاركة للقارئ في سيرورة الأحداث.

من هنا يكتسب نص “سلالم ترولار” لعنته، فهو رواية لا يمكن ولا يستطيع القراء أن يحبوها ولا أن يحبوا كاتبها الملعون. ومع ذلك سيضطرون، وإن لم يعترفوا بذلك إلى إحترام هذا النص السياسي الذي لم تعرف الرواية الجزائرية نصا يشبهه في الجرأة واللعنة.