مع تواصل الهدوء النسبي في قطاع غزّة منذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الصهيوني، قد يتهيأ للبعض أن حال الغزاوية في ربوع القطعة الجغرافية الصغيرة والضيّقة والمكتظة بالسكان، قد تحسّن إلى حد الوصول لحياة طبيعية، خاصة بالنسبة للغذاء؛ الذي يُعتبر أساسا لبقاء مئات الآلاف على قيد الحياة، وهم الّذين عانوا طيلة أشهر من “التجويع” كسلاحِ حرب.

خرق اتفاق غذائي

كما يواصل الاحتلال الصهيوني خرق الاتفاق بشن غارات بين حين وآخر على قطاع غزّة، يواصل أيضا استعمال سلاح التوجيع للتضييق والضغط أكثر على سكان قطاع غزّة عموما، وفصائل المقاومة خصوصا، لتنفيذ خططه المستقبلية بخصوص “اليوم التالي في غزّة”.

وحسب الإحصاءات الرسمية القادمة من غزّة، فإن قوات الاحتلال سمحت بإدخال ما مجموعه 4453 شاحنة فقط إلى القطاع، خلال الفترة من 10 أكتوبر حتى 5 نوفمبر بمعدل يومي لا يتجاوز 171 شاحنة فقط، في حين أنه كان من المقرر وِفق الاتفاق المُوقّع، دخول 600 شاحنة يومياً لمنع حصول مجاعة لمليوني غزاوي مُحاصر ومجوّع حاليا.

“شوكولاطة” لسد الجوع

أكد مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزّة، إسماعيل الثوابتة، في تصريح لموقع “العربي الجديد”، أن “الأصناف التي سمح الاحتلال بإدخالها لحد الآن تركزت على السلع الاستهلاكية الكمالية مثل القهوة والمشروبات والشوكولاتة والمواد الجافة مرتفعة السعرات فقط”.

وأضاف أن “الأسواق في غزة حُرمت من المواد الأساسية اللازمة للحياة اليومية، كالطحين والحبوب والبقوليات والألبان واللحوم والخضروات، وبالتالي فكميات المواد الغذائية التي دخلت لا تفي بحاجة السكان”.

وتابع في تصريحه للموقع، أن “الوقود المتوفر حاليا لا يضمن تشغيل المستشفيات أو المخابز أو المرافق الحيوية بالحد الأدنى”، موضحا أن “الاحتلال يتعمّد تقييد إدخال المواد الأساسية وفرض قيود انتقائية على الشحنات التجارية”.

إدارة صهيونية دقيقة

أوضح المختص في الشأن الاقتصادي محمد بربخ لموقع “الجزيرة نت”، أسلوب الاحتلال الصهيوني في إدارة هذه الأزمة الغذائية التي صنعها منذ أشهر.

وقال بربخ في تصريحه للموقع، إن “الاحتلال يملك إحصاءات دقيقة حول استهلاك سكان القطاع للمواد الغذائية الأساسية شهريا بحكم تحكمه في المعابر التجارية، مما يجعل حكومة الاحتلال قادرة على إدارة تدفق السلع بدقة متناهية”.

وتابع بربخ قائلا إن “الاحتلال يعتمد بناء على ذلك سياسة وصفها بـ”إبقاء الرأس فوق الماء”، ويتحكم في السلع الواردة بما يضمن أن يعيش السكان حالة من الجوع دون أن يصلوا إلى الموت الجماعي الكامل”.

ويشير مدير الأبحاث الاقتصادية في وزارة الاقتصاد، في حديثه إلى أن “إجراءات الاحتلال تتحكم في ثالوث الكميات والأسعار والأنواع، وتعيد توزيع السلع بأسعار متصاعدة من التاجر إلى الآخر، حتى تصل للمستهلك بأضعاف قيمتها الحقيقية”.

وأكد أيضا أن “قطاع غزّة يعاني هذه الأيام من غياب البنية التحتية اللازمة لتخزين البضائع بعد تدمير المستودعات والمخازن خلال الحرب، الأمر الذي جعل السوق هشة وسريعة التأثر بأي تصعيد أو توقف في التوريد”.

مُعاناة متواصلة

تتواصل معاناة أهل غزّة رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ منذ أسابيع، ودون الحديث عن إعادة الإعمار فإننا ما نزال نتحدث عن الالتزام بإدخال عدد شاحنات كافٍ إلى القطاع لمنع حصول مجاعة.

وتتطلّب خُروقات الكيان الصهيوني في الاتفاق، تعاملا وتدخلا فوريا وجادا من المجتمع الدولي والدول الضامنة والوسطاء للضغط أكثر على “إسرائيل” من أجل إدخال المواد الأساسية والوقود دون قيود، وتسهيل توزيع المساعدات بما يحترم القانون الدولي الإنساني.