الرئيسية » مقالات الرأي » عارنا الإعلامي في الجزائر

عارنا الإعلامي في الجزائر

عارنا الإعلامي في الجزائر

بقلم  مروان الونّاس

قبل أسبوعين اضطرَّ المفكر عزمي بشارة لتخصيص حلقة كاملة للحراك الجزائري، بعد حلقة سابقة من برنامج بثّه التلفزيون العربي، تناول فيه بشكل موسّع الحراك العراقي واللبناني، بينما أخذ الموضوع الجزائري القسط الأضعف من الوقت ربما لعادة المشارقة المبالغة في الاهتمام بالذات ومن أنهم المركز وغيرهم المحيط.

لا علينا، ففي الحلقة التالية من البرنامج اضطرّ عزمي بشارة إلى تخصيص حلقة كاملة عن الجزائر، لأن سيلا هائلا من الأسئلة ورد من قبل الجزائريين القلقين على مستقبل بلدهم، ويريدون أن يفهموا ما يحدث ويدور بكثير من العمق دون ”شيتة” ولا شعبوية ولا رقابة.. وهذا ما استجابت له القناة والدكتور عزمي بشارة الذي استرسل وتفاعل مع أسئِلة الجزائريين بغضّ النظر عن مضمون ما قاله.

ما يهمني في القصة ليس ما قاله بشارة لأنه مسجّل على اليوتيوب، بل شغف الجزائريين وتعطشهم للنقاش الحقيقي والعميق والعلمي الذي حُرموا منه في القنوات والفضائيات المحلية برمتّها، حيث وصل المنع درجات هذيانية من الستالينية حيث لا يسمح حتى بذكر كلمة حراك فما بالك بمناقشة الواقع كما هو وتحليله واحتضان كل الآراء دون إقصاء.

ولأن الطبيعة تأبى الفراغ، ولأن الشمس لا يغطيها غِربال، ولأن الوعي لا يمكن تزييفه، والواقع لا يمكن نكرانه، فإن الملايين من الجزائريين وجدوا ضالّتهم في النقاش والبحث عن الأفكار الجديدة على شبكات التواصل الاجتماعي والفضائيات الأخرى والانترنت التي احتضنت النقاش الحر وكسبت ثقتهم، بينما خسر الإعلام الجزائري ذلك بعدما رضخ للضغط والإكراه لسلطة الأمر الواقع وبوسائل بالية من عهد بائد، وكأن من يضغطون علينا لم يدركوا أننا في 2020، وأمام جيل ”يطير من المقلاة” على حدّ تعبير الجزائريين.

لقد دفعت سياسة الغلق والانغلاق وتجنّب النقاشات الحقيقية المطروحة في الساحة، بين أفراد الشعب من الملايين إلى البحث عن البدائل التي وجدوها في فيديوهات البثّ المباشر لأشخاص لهم قدرة على الكلام بكل حرية، انطلاقا من كاميرا أو هاتف محمول، وكلما أحكمت السلطة قبضتها على وسائل الإعلام وتدخلت بغباء لتحديد سقف الحرية، كلما دفعت بملايين الجزائريين المتعطشين للنقاش والآراء الحرة نحو ما يسمى بالإعلام البديل، الذي أصبح هو الأصل في الحالة الجزائرية، ولا داعي هنا أن نذكر أسماء أساتذة ومحللين في الفضاء الافتراضي لهم متابعين بمئات الآلاف يشاهدونهم ويتفاعلون مع ما يطرحونه من أفكار قد نختلف أو نتفق معها، لكنها في النهاية تسمح بسقف عالٍ من الحرية لا يجدها الجزائري في وسائل الإعلام المحلية التقليدية، التي تراجعت بشكل فظيع عن ضمان الحد الأدنى من المهنية، ويكفي أن نضرب مثلا بمقاطعتها التامة لتغطية الحراك الشعبي، ومواقفه من التطورات الجارية، حيث غابت التغطيات الإخبارية مثلما غابت البرامج الحوارية والنقاشات غير المسقّفة.