الرئيسية » مقالات الرأي » “على بوابة الأبدية” لجوليان شنابل.. لوحة بصرية ترثي فان غوخ

“على بوابة الأبدية” لجوليان شنابل.. لوحة بصرية ترثي فان غوخ

“فان غوخ” واحد من أهم فناني القرن 19 وأكثرهم معاناة واضطرابا ومأساة، مصير الرسام العالمي الهولندي يقودنا لنتساءل هل لم يُقدر لهذا الفنان الشهرة والمجد إلا بعد عشرات السنين من رحيله، وكأنه كان يرسم لوحاته لأناس لم يولدوا بعد لتتحول قصته وما كابده من معاناة إلى  أسطورة؟ “على بوابة الأبدية”  للمخرج جوليان شنابل واحد من الروائع السينمائية ترسم مرثية لفنان عظيم بلغة سينمائية بديعة اشبه بلوحة فنية.

“عزيزي ثيو.. أريد أن أسافر في النجوم وهذا البائس جسدي يعيقني، وداعاً يا ثيو، سأغادر نحو الربيع”. هذه رسالة فان غوخ الأخيرة لأخيه ثيو، رسالة تعكس حجم العلاقة بين غوخ وشقيقه ثيو الذي وقف بجانبه في أصعب الظروف، من هنا المخرج جوليان شنابل اتخذ تلك العلاقة منطلقا لبناء قصة عمله، التي تدور حول حياة الرسام العالمي فان غوخ بما فيها من تناقضات واضطرابات وهواجس فنان، رصدتها كاميرا المخرج في عمل يختلف كثيرا عن الأفلام السابقة حول حياة الفنان المجنون، فجاء العمل كلوحة بصرية ترثي الرسام الغارق في حزنه والتائه في عزلته.

كثيرة هي الأفلام التي تطرقت لحياة الرسام فان غوخ منها ما أنجزه المخرج الفرنسي آلان رينيه الذي اختار تصوير اللوحات الرئيسية بالأبيض والأسود في أحد المعارض، واتخذ أسلوب تصوير حياة الفنان والأماكن التي عاش فيها، من خلال أعماله فقط، كما صنع المخرج الأمريكي فينسيت مينللي فيلما آخرا بعنوان “شهوة الحياة” والذي أخذ اسمه من لوحة رسمها فان غوخ تدور أحداثه حول قصة حياة الذي يعود إلى مسقط رأسه بعدما تم رفضه من فتاة يحبها، وبعد وقت يقضيه مع عاهرة، تتركه بسبب قلة أمواله وتهجره، وتظهر اضطراباته النفسية.

وهناك أفلام أخرى كانت بمثابة الوثيقة عن حياة الفنان من بينها “فنسنت: حياة ووفاة فنسنت فان جوخ” للمخرج بول كوكس، وفيلم تسجيلي آخر بعنوان “فان غوخ” للمخرج الفرنسي فرانسوا جير معتمداً على رسائله لأخيه ثيو.

وقدم المخرجان دوروتا كوبيلا وهيو ويلشمان تجربة بصرية جديدة حول الفنان من خلال فيلم مصنوع من لوحات مرسومة باليد وباستخدام الألوان الزيتية، وشارك في العمل حوالي 125 رسّاماً من دول مختلفة حول العالم.

تمكن المخرج جوليان شنابل من رسم لوحة سينمائية بالصورة والصوت وبشاعرية كبيرة بقدر هذا الفنان التاريخي، واعتمد على سرد الأحداث من خلال الأزمات وقصة كل لوحة من لوحاته، كما أبرز المخرج الهم الفني لفنان غوخ بعيدا عن  مسألة اضطرابه العقلي مع تصوير عذابه النفسي ورؤيته المختلفة للأشياء التي تنعكس جلية على لوحاته الفنية، حتى أصبح الاضطراب النفسي يتماهى ليصبح محركا للإبداع.

تقول الباحثة الأمريكية ليندا كاوغيل: “إن الكثير من الروايات والأفلام السينمائية والمسرحيات–وحتى الأغاني–لا تفتقر إلى الأساليب التقنية اللازمة ولا إلى البناء الفني المتماسك، ولكنها–رغم ذلك-تخفق إخفاقا ذريعا، إن ما ينقصها هو العاطفة، وفي الحكاية–مثلا-تكمن الجاذبية الآسرة في تحويل السرد الجاف للأحداث إلى تجربة عاطفية”.

في فيلم “على بوابة الأبدية” تكمن الجاذبية الآسرة في تحويل السرد الجاف للأحداث إلى تجربة عاطفية وهذا ينعكس في أداء الممثل الكبير وليام دافو الذي جسد دور الرسام فان غوخ فكان بمثابة الريشة التي تداعب الوتر أو مثل نغمة جميلة في عزف منفرد، فبطل الفيلم استطاع أن يمسك بالفرشاة ونجح بموهبته وحضوره الطاغي في نقل هواجس فان غوخ وحزنه وعذابه الداخلي، فملامح وليام دافو وتجاعيد وجهه كانت كلوحة تظهر المعاناة الحقيقية للرسام حتى عند ابتسامته، والمخرج هنا ركز كاميرته واعتمد على الزوايا القريبة في التصوير حتى يرصد انفعالات الممثل التي جاءت صادقة في كل مشهد ونجح شنابل في نقل ذلك التوتر والقلق والخوف الذي كان ملتصقا بحياة فان غوخ، وليس من السهل تماما تقمص شخصية هذا الرسام بتناقضاتها خاصة وأن كل العمل مبني على اشتغال نفسي كبير وأشبه بالمونودرام ويتطلب استعدادا داخليا كبيرا وجهدا يظهر في كل موقف.