الرئيسية » تحقيقات وتقارير » عودة قوارب الموت.. من ينقذ أبناء الجزائر من الغرق؟

عودة قوارب الموت.. من ينقذ أبناء الجزائر من الغرق؟

عودة قوارب الموت.. من ينقذ أبناء الجزائر من الغرق؟

عادت ظاهرة “الهجرة غير الشرعية” للبروز مجددا في الجزائر، بعد أن توقفت بشكل تام تقريبا في فترة الحراك الشعبي الذي شهدته البلاد منذ 22 فبراير 2019، فرغم مخاطر الغرق والسجن، سجلت الجزائر أرقاما مخيفة في عدد المتدفقين عبر مياه المتوسط نحو الوجهة الأوروبية، وباتت تحصي أسبوعيا ضحاياها من قوارب الموت منذ مطلع العام الجاري.

نصر الدين بن سعيد، 24 سنة، ملاكم المنتخب الوطني سابقا وبطل الجزائر في الفن النبيل مرات عدة، واحد من الشباب الذين ركبوا مؤخرا أمواج البحر نحو الضفة الغربية، فابن مدينة زموري بولاية بومرداس غادر يوم 21 سبتمبر أرض الوطن في ريعان شبابه، تاركا أهله يذرفون الدموع على فراقه، بحثا عن العيش الكريم، بعد أن ضاق ذرعا  من الإهمال والظروف الصعبة التي يتخبط فيها، إلى جانب عدد كبير من أبطال الجزائر في الملاكمة والرياضات الأخرى.

زميله السابق في المنتخب الوطني، محمد فليسي، تحسّر في تصريح لأوراس حول القصة المؤلمة للملاكم، وقال “نصر الدين شاب دافع عن الراية الوطنية في العديد من المناسبات قبل أن يقصى من المنتخب الوطني منذ عامين تقريبا، وقد تكون هذه الأسباب التي دفعته للهجرة إلى جانب المحيط الذي كان فيه بزموري، فالظروف التي يعيشها نصر الدين والكثير من الملاكمين الآخرين من إهمال وتهميش من السلطات المعنية هي التي تدفع للتفكير في الهجرة”.

فئات مختلفة

قصة نصر الدين ليست الوحيدة، نافع.. شاب آخر من عين جاسر بولاية باتنة في مقتبل العمر، 34 سنة، متزوج ولاعب كرة قدم سابق، لم تسعفه الظروف في الحصول على منصب عمل يضمن له كرامته، فكرّس الكثير من وقته خلال الأشهر الأخيرة من أجل جمع مبلغ من المال يضمن له “رحلة العمر”، وباع شاحنة صغيرة “هاربين” لتوفير كلفة الهجرة عبر قوارب الموت، وغادر من أحد شواطئ مستغانم رفقة عشرات من الشباب تاركا خلفه طفلته وامرأته الحامل تصارع واقعا موحشا ومستقبلا مجهولا.

المثير في قضية عودة الهجرة السرية، أن قوارب الموت لم تعد حكرا على فئات محددة من الشباب، بل باتت ملاذ مختلف شرائح المجتمع الجزائري من نساء وأطفال وعائلات وحتى أصحاب المستوى العالي وامتدت إلى المسنين، ممن فقدوا الأمل في عيش كريم بالبلاد، ولعل القصة الأغرب هي لذلك الشيخ الستيني الذي قرّر قبل قرابة شهر امتطاء قوارب الهجرة غير الشرعية من أحد شواطئ مدينة عنابة.

حرس السواحل يحبط محاولة هجرة غير شرعية بعرض البحر

ولا يختلف الوضع بين شرق البلاد وغربها، فقبل أيام قليلة استيقظ سكان حي بايموت بمستغانم الولاية الأشهر في الهجرة غير القانونية، على خبر مفزع، بعد أن غرق قارب يقل 14 شخصا منهم عائلة مكونة من والدين و3 أطفال يتراوح سنهم بين 3 إلى 12 سنة وامرأة أخرى وولديها اللذين تتراوح أعمارهم بين 4 و5 سنوات، إضافة إلى شابة في مقتبل العمر (19 سنة).

السيدة زوليخة زيتوني، في تصريح لأوراس تقول “أنا من مستغانم، ويؤسفني كثيرا أن أرى أبناء جلدتي يمتطون قوارب الموت، ويغرقون في عرض البحر، أنا مستثمرة في بلجيكا وأسمع يوميا أخبار “الحرقة” ولطالما قمت بحملات تحسيسية لفائدة الشباب، كما ترأست فريق بن عبد المالك لكرة القدم بمسقط رأسي من أجل تشجيع الشباب على ممارسة الرياضة والعدول عن التفكير في الهجرة، لكن دون جدوى..”.

أرقام مخيفة

485 مهاجرا بطريقة سرية اعترضتهم وحدات حراسة السواحل في ظرف 5 أيام، وانتشلت جثث 10 غرقى من عرض البحر، حسب حصيلة أعلنتها مؤخرا وزارة الدفاع، وأشارت آخر أرقام الوكالة الأوروبية لمراقبة الحدود إلى أن 5225 جزائري أبحروا عبر سواحل غرب المتوسط و865 عبر سواحل الوسط خلال الثمانية أشهر الأولى من 2020.

وسجلت وزارة الداخلية الاسبانية، في إحصاءات سابقة، المهاجرين غير الشرعيين الجزائريين في طليعة الجنسيات القادمة إلى إسبانيا بطريقة غير شرعية، منذ مطلع العام الجاري، كما نقلت وسائل إعلام إسبانية نهاية شهر جويلية الماضي وصول 454 مهاجرا جزائريا في ظرف 24 ساعة بطريقة غير قانونية إلى جنوب البلاد بينهم عشرات النساء والأطفال القصر.

أسباب متعددة

وتعدّدت أسباب الهجرة بالنسبة للجزائريين الذين آثروا المخاطرة بحياتهم على البقاء في بلدهم، فيحصي المختصون أسبابا عدة منها البطالة وانعدام فرص العمل وتدهور المستوى المعيشي، والبحث عن هامش واسع من الحرية والانهيار النفسي بعد فقدان الأمل في تحسن الوضع بالبلد، إلى جانب ضعف الوازع الديني.

وفي هذا الشأن يقول نور الدين بكيس، المختص في علم الاجتماع، في تصريح لأوراس “ظاهرة “الحرقة” ارتبطت دائما بالوضع السوسيو اقتصادي للبلد وكذلك بالوضع السياسي، لأنها دائما على علاقة بسقف الأمل، فكلما كان الأمل مرتفعا تراجعت الظاهرة نسبيا والعكس”.

وأردف “في الفترة الراهنة هناك انغلاق سياسي، ومشروع السلطة غير مقنع لفئات واسعة من المجتمع الجزائري، إضافة إلى فشلها في التعامل مع جائحة كورونا، وتراجع مداخيل المحروقات أحدث الكثير من التأزم في الوضع السوسيو اقتصادي بالبلاد”.

لكن المشكلة ليست على الصعيد الداخلي فقط، يقول المحامي الجزائري المتخصص في قضايا الهجرة، كسيلة زرقين، في تصريح لأوراس “إن هناك أسباب خارجية تتحملها الدول الأوروبية ومعها الجزائر، بسبب العراقيل المفروضة على المواطنين الجزائريين الراغبين في الهجرة بطرق شرعية، فالدول الأوروبية تستخدم نظام “الكوطة” مع المهاجرين القادمين من بعض الدول ومن بينها الجزائر، وهذا ما يعيق حركة الهجرة النظامية ويدفع المواطن الجزائري إلى التفكير في طرق غير قانونية للهجرة”.

قلق أوروبي

الأعداد الهائلة المتدفقة إلى السواحل الأوروبية من المهاجرين الجزائريين منذ مطلع العام الجاري، باتت تشكل قلقا وصداعا في رأس مسؤولي دول الساحل الأوروبي وبالخصوص إسبانيا وإيطاليا، وقد زارت وزيرة الداخلية الإيطالية، لوتشانا لامورجيزي، الجزائر، الأسبوع الماضي، وبحثت مع المسؤولين الجزائريين سبل وقف الظاهرة وإيجاد حل عاجل للمهاجرين الجزائريين الذين يصلون إلى إيطاليا.

“عدد المهاجرين الجزائريين غير النظاميين نحو إيطاليا قليل جدا”

وقبلها أجرى وزير الداخلية الإسباني، فرناندو قرند مارلسكا غوميز، رفقة وفد هام، زيارة إلى الجزائر وناقش مع المسؤولين في الجزائر مسألة الهجرة غير القانونية، على خلفية التدفق الهائل للمهاجرين الجزائريين من السواحل الجزائرية إلى السواحل الإسبانية.

وزاد تخوف الجانب الأوروبي في ظل انتشار وباء كوفيد19 والخطر الذي بات يشكله على صحة مواطني هذه الدول، لاسيما بعد تسجيل السلطات الإسبانية حالات إصابة بفيروس كورنا المستجد وسط جزائريين وصلوا سواحل مورسيا ومدينة كارتاخينا جنوبي البلاد، في إنزال وصفته الصحافة الإسبانية بغير المسبوق لقرابة 500 مهاجرا، ما اضطر سلطات المدينة لإقامة مخيم لإيوائهم بميناء كارتاخينا.

هل توجد حلول؟

يرى مختصون في قضايا الهجرة والمجتمع أن الحل لإيقاف موجة الهجرة غير القانونية لا يكمن في سن قوانين ردعية وقمعية أو في وضع حلول مؤقتة ووهمية للشباب، وإنما في تجديد السلطة لخطابها والابتعاد عن خطاب الأبوية والمؤامرة، وعدم القفز على الظروف الصعبة التي يعيشها الشباب، يقول الدكتور نور الدين بكيس، من أجل “إحداث الوثبة النفسية التي لن تتم إلا بإصلاح الوضع الداخلي ورفع القيود عن الحريات وإيجاد حلول للنهوض بالاقتصاد واستحداث مناصب الشغل”، إلى جانب إعادة النظر في اتفاقيات الهجرة بين الجزائر ومختلف الدول الأوروبية لتسهيل الهجرة النظامية أمام المواطنين.

فالمقاربة القانونية لدول المغرب العربي والجزائر بالخصوص مقاربة قمعية يقول المحامي كسيلة زرقين، فالجزائر جعلت من المهاجر غير الشرعي مجرما عوض أن يكون ضحية لمنظومة وظروف قاسية دفعته لركوب قوارب الموت، فقانون العقوبات ينص منذ 2009 على السجن ستة أشهر لكل من يحاول مغادرة التراب الوطني بصفة غير شرعية، لكن دون جدوى وأعداد المهاجرين في تزايد مستمر، والسلطة لا يمكنها تطبيق القانون على الآلاف من الأشخاص، ويشدد المحامي المختص في قضايا الهجرة على ضرورة معالجة الأسباب والمشاكل التي تؤدي إلى “الحرقة” وليس معالجة النتائج.

عدد التعليقات: 1

  1. الهجرة غير الشرعية فهي في كل انحاء العالم باستثنا ء دول الاتحاد الاوربي و كندا و الولايات المتحدة الامريكية .
    اوروبا اصبح العيش فيها صعب لانهم لا يقبلون المسلمين .
    واللدين يريدون الدهاب الله يسهل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.