الرئيسية » مقالات الرأي » غيث في “قلبي اطمأن” بين مشكك ومطمئن

غيث في “قلبي اطمأن” بين مشكك ومطمئن

غيث في "قلبي اطمأن" بين مشكك ومطمئن

على عكس الموسمين السابقين أثار برنامج “قلبي اطمأن” في موسمه الثالث جدلا واسعا في مواقع التواصل الاجتماعي، ويعود السبب إلى احتضان الهلال الأحمر الإماراتي البرنامج ودعمه، وانطلاقا من ذلك انقسمت الآراء حول علاقة البرنامج بالسياسات الإماراتية.

المعارضون لما يقوم به غيث اعتبروا أن ما يفعله محاولة فاشلة وبائسة لتبييض صورة الإمارات التي تلطخت بفعل مواقفها اتجاه الربيع العربي ودعمها للثورات المضادة والانقلابات العسكرية، وتورطها في صراعات داخلية خاصة في اليمن وليبيا، وما يترتب عن تلك الحروب من مآسي وآلام لعشارات الآلاف وربما الملايين؛ فكم من أطفال يتموا وكم من نساء رملن وكم وكم، وبالتالي إذا كانت الإمارات تريد القيام بأعمال خيرية يكفيها أن تتوقف عن سياساتها التخريبية لأنها مهما أنفقت من ملايير الدولارات لتحسن صورتها فإن صرخة طفل يتيم واحد بسببها كفيلة أن تجعل كل تلك الأموال هباء منثورا.

المؤيدون للبرنامج يفصلون بين غيث والحكومة الإماراتية، ويجدون أنه ليس من العدل تحميله مسؤولية تغيير سياسات بلده، كما يرون أن هذه الحملة تقودها أطراف مناوئة تابعة لحكومات أخرى وتيارات سياسية أيضا لها أجندتها، ولم تستسغ النجاح الكبير للبرنامج الذي استطاع ادخال الفرحة والسرور على الكثير من المحتاجين، وتمكن من التأثير على متابعيه وحثهم على فعل الخير.

هناك عبارة شائعة متداولة كثيرة تقول: “الدول ليست جمعيات خيرية” بالتالي فإن محاولة الحكومة الإماراتية توظيف البرنامج لخدمة مصالحها أمرا ليس مستبعدا بالكلية، وفي المقابل فإن مهاجميه من المحسوبين على حكومات واتجاهات سياسية أخرى أيضا لديهم أجندتهم وأهدافهم، والسؤال الذي يطرح هل هذا مبرر كاف للهجوم على البرنامج؟ يمكن الاجابة عن هذا السؤال بالمقارنة بحالة أخرى بعيدة إلى حد ما ولكنها تتقاطع مع الموضوع في ربطه بين الأخلاق والسياسة، والمقصود هنا العلاقة بين إيران وحركة المقاومة الإسلامية حماس، فالأخيرة تتلقى دعما ماليا وتسليحا من طرف إيران، وقد دفعها هذا للتحالف معها، وبعد فتور العلاقة بين الطرفين بعض الوقت عقب بداية الأزمة السورية إلا أنها سرعان ما عادت إلى المسار السابق، وبات قادة حماس لا يجدون حرجا في زيارة طهران، وتعزيتها في مجرم الحرب الجنرال قاسم سليماني قائد الحرس الثوري السابق، وأيضا تعزية حزب الله في مجرم الحرب سمير القنطار، ولم تراع حماس في ذلك مشاعر ملايين السوريين الذي قتلوا ورملوا وهجروا على مدار قرابة العقد. ومازالت في كل مناسبة تبيض وجه ويد إيران الملطخة بدماء السوريين والعراقيين واليمنيين.

هذا المنطق يجعل من حماس مجرد وكيل لإيران ومتاجر بالقضية الفلسطينية، وهو بذلك يبخسها حقها، لأن الموضوعية تقتضي مع نقد حماس تبريرها للسياسات الإيرانية ولكن في الوقت نفسه عدم إنكار تضحياتها في مقاومة الاحتلال الصهيوني، ومسؤولية الأنظمة العربية التي تضيق عليها، بل وتضعها في قوائم الإرهاب. والأمر نفسه بالنسبة لبرنامج قلبي اطمأن فبكل تأكيد الكثير من السياسات الإماراتية في اليمن وليبيا وغيرها مرفوضة ومن الطبيعي الاختلاف معها ولكن هذا لا يعني الهجوم على كل ما هو إماراتي سواء كان حكوميا أو شعبيا. وربما الانتقاد الموضوعي المقنع لبرنامج غيث والذي له سند فقهي هو كشفه لصور المستفيدين من المحتاجين في حين كان الأصح وفق هذا الرأي الفقهي سترهم.

الخطورة في هذه الثنائيات الحدية أنها تنقل الجدل من الحيز السياسي على المستوى الحكومي إلى الشعوب، وتكرس الصور النمطية والصراعات بينها مثلما يحصل مع المسلسلات التي تطبع مع الكيان الصهيوني، والتي تتجاوز الانتقادات الموجهة إلى القائمين عليها وداعميهم لتطال شعوب بأكملها، ومحاولة وسمها بصفات محددة، وهذا يدفع في المقابل الطرف الآخر إلى التهجم على منتقديه وندخل بذلك في حلقة مفرغة نتيجتها المؤكدة توسيع الهوة بين الشعوب العربية، ولعل في ما حصل بين الجزائريين والمصريين قبل عشر سنوات بسبب مباراة كرة قدم وتوظيف سياسي عبرة لمن أراد أن يعتبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.