لم أجرّب يوما الكِتابة عن فيلم، رغم أنني مُشاهِد لبعض أنواع الأفلام، وأحببت في مرات عديدة أن أكتب عن فيلم أعجبني وأشارك تجربتي معه ورأيي فيه، لكنها غالبا ما تكون رغبة مُؤقتة تزول بعد مرور ساعات.

سأحاول في هذه الفقرات أن أكتب عن فيلم مميّز “لا شك في ذلك”، يكفيك الاسم والموضوع لتتأكد، وعلى غير عادةِ تَناقِلِ النصائح والاقتراحات في هذا المجال؛ سأنصح بمشاهدته بشدّة رغم أنني لم أشاهده.

قد تكون هذه الأحرف مُختلِفة عما كتبت من قبل، لكنها مثل غيرها ممّا سبق؛ مخدّر بلوحة مفاتيح، أوهم به نفسي للحظات أنني ناصِرُُ لهذه القضية، أتوهّم أنني أساعد الشهيدة هند بالقلم كما ساعدت وسأساعد غيرها في غزّة.

لنبدأ من الخبر الأخير

قوبل فيلم “صوت هند رجب” الأربعاء، بتصفيق حار استمر 24 دقيقة خلال عرضه الأول في مهرجان فينيسيا السينمائي الـ82، وهي أطول مدة مسجّلة في المهرجان حتى الآن، ما جعله المرشّح الأوفر حظاً لدى الجمهور للفوز بجائزة الأسد الذهبي التي ستُمنح للفيلم الأفضل في السادس من الشهر الجاري.

وقد دوّى من بين الحضور هتاف “فلسطين حرة”، وسط الدموع مع رفع صورة هند خلال التصفيق الحار والتضامن مع الشعب الفلسطيني الذي يتعرض لإبادة جماعية صهيونية متواصلة منذ السابع من أكتوبر 2023.

واستقطب الفيلم أيضا، بعض الأسماء اللامعة في هوليوود منتجين منفّذين، ما منحه ثقلاً إضافياً في صناعة السينما، من بينهم الممثلون؛ براد بيت وخواكين فينيكس وروني مارا وألفونسو كوارون وجوناثان غليزر.

الضمير.. دافع لإنتاجه

تقول مخرجة الفيلم، التونسية كوثر بن هنية، في حديثها لمجلة “هوليود ريبورتر”، إن الدافع وراء تقديمها العمل، جاء بعد تأثرها العميق بنداء الاستغاثة الذي أطلقته الطفلة الفلسطينية صاحبة الست سنوات هند رجب قبل استشهادها برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وأضافت المخرجة في حوارها: “صوت هند ظل يلازمني، مما دفعني للتواصل مع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني التي نشرت مقطعا من الاتصال للحصول على التسجيل الكامل”.

وتابعت: “حين استمعت للتسجيل، ما طاردني لم يكن فقط عنف ما حدث، بل أيضا الصمت بين الأصوات. كنت أستعد لإنجاز فيلم آخر، لكن كان عليّ أن أتوقف عن كل شيء لأروي هذه القصة”.

وختمت المخرجة في حوارها الطويل مع “هوليود ريبورتر”: “كنت خائفة أن أخون صوتها، وأن يعجز الفيلم عن تكريم ذكراها”.

القصّة.. وأي قصة!

يحكي الفيلم قصة هند رجب الصبيّة الغزاوية الصغيرة، التي كانت داخل سيارة رفقة 6 أفراد من عائلتها، على بعد 12 دقيقة فقط عن أقرب سيارة إسعاف، وتحاول عبر اتصال النجاة من القصف الصهيوني.

وتدور الأحداث عندما تلقى عمال الهلال الأحمر الفلسطيني يوم 29 جانفي 2024، نداء استغاثة من طفلة محاصرة في سيارة تحت إطلاق نار صهيوني كثيف في حي تل الهوى بغزة.

وتلقى الهلال الأحمر الفلسطيني رسالة استغاثة من الطفلة الفلسطينية ليان حمادة: “عمو قاعدين يطخوا علينا.. ساعدونا.. الدبابة بجواري ونحنا في السيارة”، قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي.

والتقطت الخط، الطفلة هند ابنة عم ليان والتي كانت بصحبة عمها بشار بسيارته، وبصحبته زوجته وأطفاله سارة ورغد ومحمد، الّذين استشهدوا جميعا أيضا.

وقالت هند في آخر لحظات حياتها مستجدية إنقاذها: “تعالي خديني.. رني على حدا يجي ياخدني.. أمانة.. أنا بخاف من الظلام تعالوا خدوني..”.

وتمكن الهلال الأحمر الفلسطيني متأخرا، من الحصول على الضوء الأخضر من جيش الاحتلال الإسرائيلي لإنقاذها، عبر الصليب الأحمر بعد ساعات من المحاولة.

ومنع الاحتلال خلال الحادثة، سيارة الإسعاف الأخيرة في مركز الهلال الأحمر بالمنطقة من الوصول للسيارة التي كانت داخلها هند وسط جثث عائلتها، وذلك بحرقها واستهداف طاقمها دقائق قبل وصولها.

ترشيح استثنائي للمنافسة على جائزة الأوسكار

امتدادا لنجاحاته، أعلن المركز الوطني للسينما والصورة في تونس ترشيح فيلم “صوت هند رجب”، لتمثيل دولة تونس في جائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي، المخصصة للأعمال غير الناطقة بالإنجليزية.

ويمثّل الفيلم، الذي تبلغ مدته 89 دقيقة، تونس وفرنسا ويجمع في إنتاجه شركات عالمية مختلفة منها “Plan B” و”Film4 Productions” و”MBC Studios”.

ويتوقّع أن يحقّق الفيلم نجاحات مستقبلية كثيرة، نظرا للهالة الإعلامية الكبيرة التي أخذها منذ إنتاجه، وللتأثير الكبير للقضية الفلسطينية على الرأي العام العالمي حاليا أيضا.

كم من هند في غزّة؟

خِتاما.. يقودنا فيلم “صوت هند رجب” للتساؤل باستغراب؛ كم من هند في غزّة؟ أو كم نحتاج من فيلم بأسماء أطفال غزّة لنستيقظ وننهي هذه المُعاناة؟.. والإجابة؛ أن لا إجابة لنا.