الرئيسية » مقالات الرأي » في مدلول الباديسية النوفمبرية ونحو مشروع تجديدي

في مدلول الباديسية النوفمبرية ونحو مشروع تجديدي

أصبحت الشعارات التي تخترع في دوائر ضيقة ثم تروج للجماهير، أسلوبا للتعبئة يريد به بعضهم أن يشكل به أغلبية من الأتباع يستقوي بها على خطابات معتدلة أو ضعيفة، أو يختلق بها عدوا غير واضح المعالم، أو ضد معارضة ما أو لإسكات الخطابات القريبة منه على وجه المكارثية والإرهاب الفكري، وعلى سبيل “من ليس معنا فهو ضدنا” وهو خائن وعميل.

وهي إساءة عميقة وجسيمة إلى بعض قيم المجتمع الجزائري واختصارها في أبعاد دون أخرى، وبخس من الثراء والعمق التاريخي والحضاري.

وللأسف لا يكاد يوجد اتجاه فكري يتصدى لهذا الوهم، والجهد المتواضع لكثير من رموز السياسة والثقافة لم يعد يكفي رغم أن بعضهم حاولوا أن يضبطوا هذا المصطلح المرفوع في ثوب يغطي كل الجزائر.

إن بعض الذين رفعوا هذا الشعار، هم في الحقيقة يحاولون إعادة خلق اصطفاف سياسي ولكن بطريقة مغشوشة، يندرج ضمن مشروع التجريف الثقافي والسياسي وينتهزه بعض عشاق ظهور الإعلام والإثارة لكي يتسلقوا ويخاطبوا غريزة العامة.

ويمكن استرجاع هذين المبدأين بإعادة التفكير في فحوى الشعارات ومن يرفعها؟ ماذا يقصد بهما؟ وما الجدوى من رفع الشعار على حساب المضمون؟ هل تتوافق الباديسية مع النوفميرية؟ وكيف نفهمها ضمن رؤية تجديدية وبناءة؟

إن مصطلح الباديسية يحاول بعضهم رفعه كمن يرفع المصاحف وقميص عثمان ليس لإنهاء أزمة قائمة وإرجاع إلى معلم إجماعي، وإنما لإذكاء المزيد من النقاشات العقيمة، وحتى نشاط وتاريخ جمعية العلماء المسلمين في القديم والحديث لا تتحمله.

يرفعه بعضهم لإسكات الجزائري الذي يرى رؤية إصلاحية وثقافية مغايرة مخالفة في التفاصيل، يحاول فيه دعاة الكراهية أن يستهدفوا ويستغفلوا وعي فريق من البسطاء والعامة، والسيطرة على ذهن نوعية منهم تغلب عليه أحادية اللغة ويمارس تدينا منغلقا متأثرا ببعض الكتيبات الرائجة، ليرفع شعار العربية لغتنا وشعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب وذلك نكاية مقصودة في دعاة الأمازيغية واستعداءً لهم وتحريضا ضدهم.

إن أخطر ما في هذا التوجه هو الجمع بين التعصب الديني والنزعة الشوفينية أحادية البعد ثقافيا ولغويا، لأن الشعار أصبح يرفع لتأجيج الكراهية ضد بعد آخر من أبعاد الهوية الجزائرية وإنكارها وممارسة كولونيالية ثقافية عليها وهو ما يخالف روح الباديسية الإصلاحية في أهدافها وأولوياتها.

وهو شعار أيضا يبخس حق الحركات الإصلاحية الأخرى، ذلك أن الباديسية التاريخية هي أحد تيارات الحركة الإصلاحية الدينية وليست كلها، فمن الإجحاف أن نغض الطرف عن الانفتاح الثقافي والسياسي الذي كان عند أعضاء الجمعية وعند رئيسها المرحوم عبد الحميد بن باديس، وعن جهود بعض الطرق الصوفية في المحافظة على الهوية الإسلامية للجزائريين.

ومن الناحية السياسية التاريخية بحكم الواقع الاستعماري فقد كانت الحركة اندماجية توافقا مع الواقع التاريخي ثم انضمت لاحقا طوعا أو كرها إلى النوفمبرية ولا ضير في ذلك ولا عيب.

وبهذه الصيغة المسيسة يتم استغلالها والإساءة إليها وتشويهها من كونها حركة إصلاحية تحاول الحفاظ على مقومات الهوية الجزائرية بتدرج وضمن أولويات: إسلام عروبة فأمازيغية، إلى شعار تسطيح وتصحير ثقافي وعصبية جاهلية، لتجريف الساحة الثقافية وفرض نمط محدد من التدين والتمذهب المتأثر بالروح المشرقية والتي تزيد من اغترابنا الثقافي والدينى.

إن الباديسية هي مشروع إصلاحي يحتاج إلى تجديد، تبرز فيه الروح الخلاقة للإنسان الجزائري المسلم دون أن ينكر أبعاده الأمازيغية المغاربية والذي يعتز بميراثه الأمازيغو-عربي الإسلامي، ميراث الونشريسي، القاضي عياض، الجيتالي، وابن تومرت، وابن تاشفين. وليس استيراد قوالب ثقافية مشرقية تكرس لعقدة النقص من الأجانب وتحتقر كل ما هو جزائري أصيل وتتضايق منه تتجاهله.

أما النوفمبرية فهي إحالة إلى ثورة شاملة حققت التحرير السياسي والاستقلال، لكنها لا تزالت مشروع ثورة لم تحقق أهدافها الكاملة بعد، ولا بد للأجيال القادمة أن تواصل هذا المشروع، بدل إختصارها في حرب وقتال انتهى بالاستيلاء على غنيمة الاستقلال والسلطة من قبل مجموعة دون آخرين من قياداتها، وبعض آخر يريد أن يختطفها لنفسه ويبحث في قمامة التاريخ وهفوات بعض الشخصيات التاريخية لهذه الثورة، حتى يثير انقساما ثنائيا يشبه ذلك الإنقسام العقائدي الطائفي الشيعي السني بين معاوية وعلي!.

فهل تحققت هذه النوفمبرية باكتمال مشروعها الهادف إلى إعادة قيام الدولة الجزائرية الاجتماعية في اطار المبادئ الإسلامية وفي اطار الوحدة ضمن شمال افريقيا؟ أم لا زلنا متأخرين عن هذا الهدف ولا زلنا بعيدين جدا عن تحقيقه؟ وأين البعد الاجتماعي لهذه الدولة وما مدى نجاحه وجدواه؟ وما محلنا من نماذج “دولة الرفاه” (welfare state) ضمن التجارب العالمية الناجحة؟ وهل المبادئ الإسلامية التي تقوم على الحق والعدل والإحسان تتواءم مع ممارسات التنمر والعصبية والجهوية؟ ثم ما قصة هذه النوفمبرية التي تدعم الوضع القائم (Statu-quo) مهما كانت بشاعته وانحطاطه، أليست النوفمبرية مشروعا ثوريا نص بوضوح وبالحرف الواحد على التصدي للفساد وروح الإصلاح والمناورات السياسية للإداريين وعملاء الاستعمار؟ والثوري ينحاز إلى الضعيف المظلوم وليس مع القوي الظالم، ويتصدى لتغيير الواقع المزري وليس لتبريره، ولنصرة المستضعف حتى يأخذ حقه وليس لتأييد المستكبر المتجبر؟ ناهيك عن تناقض النوفمرية أصلا مع الباديسية على الأقل من حيث تناقض روح الثورية مع نهج الإصلاحية في التعامل مع الاستعمار والوضع القائم في ذلك السياق التاريخي.

ما نحتاج إليه هو باديسية متجددة تستوعب كل الجزائريين ولا تقصي بعضهم، تحرر الضمائر ولا تجعلها رهينة لشعارات مضللة وإقصائية، وتنطلق من قيم الإسلام الكونية ولا تحصره في مذهبية مستوردة، وتفقه الميراث الجزائري التاريخي وتثمنه ولا تتكبر عليه أو على بعضه، يكون فيها الدعاة والمثقفون أصحاب أقلام حرة ومنفتحة على كل أبعاد الهوية الجزائرية الأمازيعية الإسلامية العربية، وليست مشروعا يمارس العمى الثقافي والرؤية الأحادية.

وتكون فيه النوفمبرية مشروعا ثوريا مستمرا تحرريا في قيمه وغاياته، يدفع إلى المزيد من التمكين والانعتاق والالتزام بالحفاظ على الدولة الوطنية، وتحقيق قيم العدالة والإخاء، وليست عبارة مبتذلة تستعمل في الديماغوجيا السياسية وبيع الكلام إلى الجماهير بالاستناد إلى الشرعية التاريخية على حساب شرعية الإنجاز.

فلتكن نوفمبرية ولكن: باديسية متجددة ونوفمبرية متواصلة.

عدد التعليقات: 1

  1. شكرا بروفيسور على على المقال الرائع والذي يدل على روح المنفتح والمتشبع بقيم التسامح والكلانية كما في عبارتك :”وتنطلق من قيم الإسلام الكونية ” …لكن أعذرني ان اقف معك في بعض العبارات والجمل التي فيها إما همز صريح أو خفي وراءها ما وراءها واعذرني في ذلك ..كعبارة:”ومن الناحية السياسية التاريخية بحكم الواقع الاستعماري فقد كانت الحركة اندماجية توافقا مع الواقع التاريخي ثم انضمت لاحقا طوعا أو كرها إلى النوفمبرية ولا ضير في ذلك ولا عيب” وهذا يدل على الجهل باصول البديسية تماشيا مع الاطلاق وانكار لمسار تاريخي في محاربة الاستعمار عبر اللوح والقلم والصحافة المكتوبة والمسموعة..ولاعجب فذلك مذهب بعض المشككين في ثورية الجمعية اصلا إن لم نقل رميها بالعمالة “الاندماجية”كما في عبارتكم :”ناهيك عن تناقض النوفمرية أصلا مع الباديسية على الأقل من حيث تناقض روح الثورية ” ..أم رمي الجمعية بالثقافة المشرقية فليس عارا لأن المذاهب كلها في الجزائر مشرقية كالمالكية وقبلها الشافعية والحنفية والحنبلية والاباضية ..ولا ينكر ذلك إلا جاهل أو..إذ تكررت في عبارات كــ:”والتمذهب المتأثر بالروح المشرقية ” , ” قوالب ثقافية مشرقية “,”ولا تحصره في مذهبية مستوردة”, الخلاصة نبرأ أن ننهى عن شيئ وناتي مثله…شكرا بروفيسور.قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ }هود.88

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.