الرئيسية » مقالات الرأي » ماذا تخفي صفعة الرئيس؟

ماذا تخفي صفعة الرئيس؟

ماذا تخفي صفعة الرئيس؟

في إطار جولته المكوكية لمدن وقرى فرنسا العميقة، حاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يرتد على حشد من مناصريه كانوا في الانتظار لاستقباله، وإذا بشاب يمسك بيد الرئيس بغية مصافحته، فيلقنه صفعة أمام استنفار عناصر تابعة لفصيلة المراقبة والتدخل للدرك، والحرس الرئاسي المرافق له، وأمام ذهول واستنكار الحضور من عموم الشعب.

تأتي هذه الحادثة في سياق خاص تكتنفه منافسة سياسية عشية الانتخابات الإقليمية والمحلية المزمع عقدها في غضون أيام من الآن، وتصاعد مستوى الاحتقان السياسي والإيديولوجي بين التيارات المتصارعة، فهل يعد هذا العمل معزولا؟ وماذا تخفي هذه الصفحة من خلفيات؟

السياق العام والرهانات السياسية

لقد بدأ الرئيس ماكرون جولة مكوكية منذ أسبوع يجول ويصول ربوع فرنسا للالتقاء بمواطنيه، بهدف الوقوف عند اهتمامات الفرنسيين والاطلاع على مستوى معيشتهم -حسب بيان الإليزيه-، ولكن أصوات في المعارضة استنكرت هذا الإجراء عشية تنظيم الانتخابات الإقليمية والمحلية لأنه على حد تعبيرهم، كفيل بترجيح الكفة للحزب الرئاسي في الانتخابات المقبلة، ما يجعلها نشاط تعبوي واشهاري لكسب الأصوات لصالح حزب الأغلبية “فرنسا في سير” (La France en Marche).

تأتي هذه الحادثة أيضا أثناء مرحلة مهمة ومفصلية لإنهاء الحجر الصحي الذي أثقل كاهل المواطنين والعودة التدريجية للحياة العادية، فاليوم التاسع من جوان تدخل فرنسا في المرحلة الثالثة لرفع الحجر الصحي بصفة تدريجية، مع إعادة فتح المحلات التجارية وتأخير توقيت حظر التجوال من الساعة الحادية عشر ليلا إلى الساعة السادة صباحا.

بلغت حالة الاحتقان السياسي مدى لا يطاق، بين مختلف التيارات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، بتبادل التهم بينها، فأمام اتهام اليسار للحزب الحاكم بالتواطؤ مع اليمين المتطرف في تأجيج مناخ الكراهية ضد فئات محددة في المجتمع الفرنسي، يقوم التيار اليميني بنعت المناضلين والأكاديميين اليساريين بالإسلامو-يساريين (Islamo-gauchistes) واتهامهم بضرب وحدة الوطن.

من جهته يواصل اليمين المتطرف من خلال روافده السياسية والإعلامية في محاولة زعزعة المشهد السياسي تحسبا للانتخابات الرئاسية المزمع اجراؤها في  شهر أفريل 2022.

مونجوا! القديس دونيس.. فلتسقط الماكرونية

قبل أن يصفع الشاب الرئيس فقد ردد شعارا كان معروفا في القرون الوسطى: “مونجوا! القديس دونسي.. فلتسقط الماكرونية” (Monjoie! Saint-Denis.. À bas la Macronie! ) وهو شعار يردده رواد الملكية من اليمين المتطرف، تأسيا بجيوش ملوك فرنسا ما بين القرن الحادي عشر والثاني عشر الذين يرددونه عند تأهبهم للحرب باستنجادهم بالقدس دونيس.

لقد ألقى القبض على هذا الشاب وزميله الذي كان يسجل الواقعة ويخضعان حاليا للتحقيق.

رغم أن استخفاف الرئيس في رد فعله على هذه الواقعة بما اقترفه الشاب وأنه عمل معزول، ولكن كل المعطيات توحي إلى ضرورة أخذ هذه الواقعة على محمل الجد بحكم أن الشاب كان من هواة فترة القرون الوسطى، ومن رواد مواقع اليمين المتطرف مثلما صرح به صحفي في جريدة ليبراسيون. هذه الواقعة تعيد إلى الأذهان محاولة اغتيال الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك من طرف ماكسيم برونري في 14 جوان 2002، بعدما ثبت أن الجاني كان مناضلا في اليمين المتطرف.

علبة الخراب قد فتحت؟

لقد شكلت هذه الحادثة جدالا واسعا في منصات التواصل الاجتماعي لما لها من أبعاد و رمزية، لأن مستوى الاستقطاب السياسي في فرنسا ما فتئ يكبر ويلقي بظلاله على الشأن العام ويعمق الهوة بين الشركاء السياسيين قبيل إجراء الانتخابات الإقليمية والمحلية في غضون أيام، والتي تمهد للانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في بداية الثلاثي الثاني من 2022.

في السياق نفسه تعالت الأصوات المنددة بخطاب الكراهية الذي عشش منذ فترة في منصات التواصل الاجتماعي وتنامي النزعات العدائية من طرف اليمين المتطرف.

هذا العنف الذي يأخذ أوجه متعددة من عنف رمزي ولفظي أو تهديدات بالقتل مثلما تعرض له التيار اليساري من عداء لا مثيل له من طرف مواقع لليمين المتطرف، وهناك ملاحظون يرون أن ذلك مرده للاستخفاف بخطورة روافد اليمين المتطرف التي تتقوى يوما بعد يوم، خاصة في الآونة الأخيرة، ونستحضر ذلك البيان الذي وقعه عسكريون متقاعدون والذي نشر في صحيفة فالور أكتوال (Valeurs Actuelles) التابعة لليمين المتطرف، في ذكرى الانقلاب العسكري الذي قام به عسكريون فرنسيون للإطاحة بحكومة شارل ديغول في 21 أفريل 1961، ويتضمن هذا النداء لرئيس الجمهورية التهديدات التي قد تقوض أركان الدولة الفرنسية و يحذر من مغبة حرب أهلية بسبب تنامي الإسلام السياسي ويحذرون بتدخل الجيش في حالة ما إذا لم يتخذ الرئيس التدبير اللازمة لتفادي هذا الانحطاط على حد تعبير الممضون على النداء.

لقد دأبت روافد الدولة العميقة في فرنسا، عشية كل استحقاق انتخابي إلى مغازلة الوعاء الانتخابي لليمين المتطرف لاستعطافه وتحييده في أحسن الأحوال، ولكن ذلك له عواقب وخيمة على المشهد السياسي وتنامي الحضور السياسي، الإعلامي والفكري لليمين المتطرف.

الصفعة.. الشجرة التي تخفي الغابة!

مهما استخفت الرئاسة الفرنسية أو الفاعلين السياسيين بهذه الحادثة، واعتبارها فعل معزول، ولكن اليمين المتطرف في أوج قوته وكأنه يشحد قواته للاستعداد للفوز في الانتخابات الرئاسية في 2022.

ففي الوقت الذي نرى الحكومة الفرنسية منهمكة في تفصيل القوانين لمحاربة ما اسمته الإسلام السياسي، وتعزيز مبدأ فصل الدين عن الدولة وملاحظة تجاوزات جراء غلق تعسفي للجمعيات الإسلامية وشن حرب إعلامية على الحجاب مما عرض الجالية المسلمة لمجموعة من المغالطات والتشويه، فقد دأبت الأوساط المتطرفة في توسيع فضاءات نشاطها من ملكيون (Royalistes)، سياديون (Souverainistes) وقوميون متطرفون (Nationalistes ) ، وذلك من خلال التهوين من خطاب المعادي للإسلام والمسلمين  (banalisation de l’islamophobie)، والعنصرية والتسويق لما يعرف بنظرية الاستبدال الكبير (théorie du grand remplacement) والتي مفادها أن الجاليات الأجنبية تتعمد احتلال البلدان الأوربية بهدف استبدال هذه الجاليات بالأهالي الأصليين أي الأوروبيين.

لقد دق العديد من الفاعلين السياسيين خاصة من اليسار، ناقوس الخطر من تصاعد نزعات الكراهية، وتنامي العنصرية وكل أشكال العنف التي تطال الآخر، ويشبهون هذه المرحلة بفترة ظهور الحرب النازي في الثلاثينات من القرن العشرين، ولنا أن نرى ما ترتب عن تنامي هذا الوحش من إثارة الحروب وتصفيات عرقية.

في رأينا هذه الصفعة ليست مجرد صفعة ولكنها تلك الشجرة التي تخفي أدغالا من الوحوش الإديولوجية التي قد تهدد أركان الدولة الفرنسية وتقوض الديمقراطية الغربية.

إن الحالة الفرنسیة لیست معزولة عن السیاق الأوربي، فأحزاب الیمین المتطرف تحرز تقدما في بقیة الدول الأوربیة و تتقوى یوما
بعد یوم، خاصة في إیطالیا مع رابطة الشمال (Norte Liga ، (فلامس بیلانغ والجبھة القومیة في بلجیكا Belang Vlaams(
(National Front ،& حزب من أجل الحریة في ھولندا (Vrijheid voor Partij ، (حزب التقدم في النرویج
(Fremskrittsprtiet(وحركة جوبیك في المجر .

(Jobbik (و هنا نتحدث عن الأحزاب والحركات الیمین المتطرف التي
احرزت تقدما ملحوظا في الانتخابات الأخیرة، مما یؤشر عن تنامي حركات الیمین المتطرف في كل ارجاء أوربا.

بقلم : د. إزدارن فيصل/ أستاذ محاضر و باحث في علم الاجتماع السياسي/ باريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.