تحقيقات وتقارير

مرض الرئيس.. تحفظ أم عجز في السياسة الاتصالية لرئاسة الجمهورية؟

آخر تطورات صحة تبون
أوراس في awras on Google News

عاد الجدل مجددا حول السياسة الاتصالية التي تنتهجها رئاسة الجمهورية، بعد نمط الاتصال الذي تعاطت به هذه المؤسسة مع مرض الرئيس عبد المجيد تبون، وهي القضية التي شغلت الرأي العام وطرحت العديد من علامات الاستفهام حول الوضع الصحي لرئيس الجمهورية.

أصدرت رئاسة الجمهورية خمسة بيانات منذ دخول عبد المجيد تبون في حجر صحي طوعي يوم 24 أكتوبر المنقضي، تميزت جلّها بالإيجاز والغموض وخلت من ذكر طبيعة المرض الذي ألّم برئيس الجمهورية إلا بعد مرور 10 أيام.

وهذا التوجس في الاتصال أو “الاقتصاد في الاتصال” من الرئاسة، خلق لدى كثير من الجزائريين حالة من الشك لا سيما بعد التسريبات التي أشارت إلى إصابة تبون بفيروس كورونا المستجد.

وإن كان متابعون سجلوا تغيّرا إيجابيا ملحوظا مسّ السياسة الاتصالية لرئاسة الجمهورية منذ قدوم تبون، إلا أن آخرين تساءلوا عن جدوى البيانات المقتضبة والغياب اللافت للناطق الرسمي باسم الرئاسة في هذا الظرف الحساس.

بيانات مقتضبة

صدر أولّ بيان لرئاسة الجمهورية يخص الوضع الصحي للرئيس عبد المجيد تبون يوم 24 أكتوبر الماضي، جاء فيه الإعلان عن دخول تبون في حجر صحي طوعي لمدة 5 أيام بعدما تبين أن العديد من الإطارات السامية برئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، ظهرت عليهم أعراض الإصابة بفيروس كورونا.

رئاسة الجمهورية أصدرت بيانا ثان يوم 27 أكتوبر ذكرت فيه أن رئيس الجمهورية، دخل إلى وحدة متخصّصة للعلاج بالمستشفى المركزي للجيش بعين النعجة، وأشارت إلى أن حالته الصحية مستقرة ولا تستدعي أي قلق، وأن تبون يواصل نشاطاته اليومية من مقر علاجه.

في اليوم الموالي أي يوم 28 أكتوبر أصدرت الرئاسة ثالث بيان لها، أعلنت فيه نقل عبد الـمجيد تبون إلى ألمانيا لإجراء فحوص طبية وُصفت بالمعمقة، بناءً على توصية الطاقم الطبي.

وبعدها بيوم واحد، أشارت رئاسة الجمهورية في بيان آخر إلى أن رئيس الجمهورية خضع لفحوص طبية معمقة في أحد أكبر المستشفيات الألمانية المتخصصة، وطمأنت فيه بأن الفريق الطبي أكد تفاؤله بنتائج الفحوص، دون أن تحدد طبيعة المرض.

لكن، بعد مرور عشرة أيام كاملة، أعلنت الرئاسة إصابة تبون بفيروس كوفيد -19 المستجد، وهي المرة الأولى التي كشفت فيها الرئاسة طبيعة مرض الرئيس منذ دخوله في حجر صحي يوم 24 أكتوبر.

تحفظ مبرّر أم غير مبرّر؟

في الوقت الذي تكتمت فيه رئاسة الجمهورية حول الوضع الصحي للرئيس عبد المجيد تبون، كشف موقع “أفريكا إنتلجنس” الفرنسي إصابة تبون بفيروس كورونا، ثم بدا الوضع جليا بعد برقية الاطمئنان التي وجهها العاهل السعودي لرئاسة الجمهورية، يتمنى فيها الشفاء العاجل للرئيس تبون من إصابته بفيروس كورونا.

لكنّ المحلل السياسي وأستاذ علوم الإعلام والاتصال، لزهر ماروك، يعقد مقارنة بين السياسة الاتصالية لمؤسسة رئاسة الجمهورية في فترة الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة ونظيرتها في حقبة الرئيس الحالي عبد المجيد تبون، ويلاحظ تطورا في السياسة الاتصالية مستدلا بعدد البيانات التي أصدرتها الرئاسة في ظرف وجيز تزامنا مع مرض تبون، واللقاءات الصحفية التي عقدها منذ توليه مقاليد الحكم مع ممثلي وسائل الإعلام الوطنية.

غير أن ماروك تحفظ على الغموض الذي اكتنف البيانات الصادرة عن الرئاسة، وقال في تصريح لمنصة أوراس إن رئاسة الجمهورية بحاجة إلى المزيد من الوضوح في بياناتها لكسب المصداقية لدى الرأي العام وغلق الباب أمام الشائعات التي من شأنها أن تعمل على تضخيم وتهويل الوضع وإثارة المشاعر عند المواطنين، خاصة في ظل الانتشار الرهيب للوسائط الجديدة.

ويشدد أستاذ الاتصال على ضرورة خلق اتصال مؤسساتي يتمتع بالمصداقية وبثقة المواطن، وتوفير المعلومة الكاملة في وقتها، كي يصبح المواطن الجزائري في غنى عن ما تبثه القنوات الأجنبية أو المؤسسات غير الرسمية، خصوصا ما تعلق بالرجل الأول في الدولة الذي يمثل صورة البلد ويستقطب اهتمام كل الجزائريين.

من جهة أخرى، يرى الباحث في حقل الاتصال العيد زغلامي في حديثه لمنصة أوراس أن البيانات المقتضبة قد تحمل نقاطا إيجابية ولها تبريراتها، لأن المبالغة في الشرح والتفصيل –حسبه- قد تؤدي نتيجة عكسية وتفتح الباب أمام التأويلات، فـ”كثيرٌ من التواصل يَقتُل التواصل”.

أين الناطق الرسمي باسم الرئاسة؟
وفي ظل هذا الغموض الذي يكتنف مرض رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، طرح كثير من الجزائريين علامات استفهام حول الغياب الواضح للوزير المستشار للاتصال الناطق الرسمي باسم رئاسة الجمهورية بلعيد محند أوسعيد، الذي غاب عن الأنظار منذ مدة طويلة.

ويرى مختصون أن هناك خلل ما على مستوى إدارة الاتصال في قضية التعامل مع الوضع الصحي لرئيس الدولة، ظهر جليا عندما أصدرت وكالة الأنباء الجزائرية برقية حول دخول تبون إلى وحدة متخصصة للعلاج بالمستشفى المركزي للجيش بعين النعجة، نقلا عن بيان صادر عن مصالح الوزير الأول، قبل أن تتدارك وتحذف الخبر لتعيد نشره بعد دقائق منسوبا لرئاسة الجمهورية.

وعلّق البروفيسور في علوم الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر، رضوان بوجمعة، مستغربا “أهم ما في البرقية أن الوزير الأول أصبح هو من يتحدث باسم الرئاسة.. الباقي تفاصيل تكشفها الأيام”.

يقول في هذا الصدد أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر العيد زغلامي إن استحداث الناطق الرسمي باسم الرئاسة أمر إيجابي إلا أن تعرض أوسعيد لوعكة صحية أحدث خللا في العملية الاتصالية على مستوى الرئاسة، مضيفا لمنصة أوراس أنه من الصعب استخلافه في الظرف الراهن، ولذلك كانت هناك محاولة لتدارك فراغ منصب المعني بإقحام الحكومة في القضية.

وأوضح أن هذا الخلل على مستوى الاتصال نجم عن غياب التنسيق بين رئاسة الجمهورية والجهات الأمنية والصحية ووسائل الإعلام والاتصال، وخلق نوعا من الضبابية والغموض.

ظروف حساسة

ولا شك أن مرض الرئيس عبد المجيد تبون تزامن مع حدث هام وظرف حساس تمر به البلاد وهو الاستفتاء على تعديل الدستور الذي لطالما اعتبره حجر الزاوية في بناء “الجزائر الجديدة”.

وإلى جانب غيابه عن الاستفتاء، لم يتمكن عبد المجيد تبون أيضا من تدشين جامع الجزائر في الفاتح نوفمبر، بعدما كان يمني النفس في أن يكون له شرف تدشين أكبر صرح إسلامي في أفريقيا وثالث أكبر مسجد في العالم بعد الحرمين الشريفين.

ولدى عموم الجزائريين ذكرى سيئة ما زلت عالقة بأذهانهم مرتبطة بتعامل رئاسة الجمهورية مع مرض الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، حين كانت تفيد بياناتها باستقرار حالته الصحية على الرغم من عجزه عن ممارسة مهامه الدستورية لمدة قاربت 7 سنوات.

وقد نجم عن ذلك الوضع استيلاء ما سميت حينها بـ”القوى غير الدستورية” على دواليب السلطة وتسبب في خلق أزمة ثقة كبيرة بين شرائح واسعة من الشعب والسلطة الحاكمة تمخض عنها الحراك الشعبي في 22 فبراير 2019 الذي أدى إلى خلع بوتفليقة من الحكم.

طبيعة المرض

لماذا كل هذا التكتم حول الوضع الصحي للرئيس؟ لماذا تم في البداية إقرار خضوع رئيس الجمهورية إلى خمسة أيام فقط في الحجر الصحي؟ هل الإصابة بفيروس كورونا تستوجب نقل تبون إلى أحد أكبر المستشفيات في ألمانيا؟ ألم يصرّح الرئيس أن الجزائر تملك أحسن منظومة صحية في المغرب العربي وأفريقيا؟.

هذه الأسئلة وأخرى تداولها كثير من رواد منصات التواصل الاجتماعي منذ 24 أكتوبر، تاريخ دخول عبد المجيد تبون “74 سنة” الذي يدخن بشراهة –حسب وصف صحيفة نيويورك تايمز في مقالها الصادر يوم 5 أكتوبر الماضي- في حجر صحي طوعي إلى غاية 3 نوفمبر، موعد الإفصاح عن إصابته بفيروس كورونا المستجد.

يحاول محمد ملحاق، البيولوجي السابق بمخابر التحليلات الطبية والباحث في علم الفيروسات الإجابة عن جانب من التساؤلات السابقة في تصريح لمنصة أوراس قائلا “لا يمكنني أن أتحدث عن صحة الرئيس لأني لا أملك المعطيات اللازمة حول طبيعة مرضه، ولكن ما يمكنني قوله أن 80 بالمائة من المصابين بفيروس كورونا لا تظهر عليهم الأعراض وما بين 10 و15 بالمائة من المصابين تظهر عليهم أعراضا ليست خطيرة، أما ما بين 5 و10 بالمائة تظهر عليهم الأعراض التي تستدعي العناية المركزة”.

وأضاف البيولوجي أن فيروس كورونا يسبب مضاعفات وتعقيدات لكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة الذين يعانون من صعوبة في التنفس وضعف على مستوى جهاز المناعة، وقد يؤثر أيضا على المدخنين، وهذه الفئات هي المعرضة للتعقيدات المرتبطة بالفيروس التي تستدعي العناية المركزة.

وأشار ملحاق في حديثه لأوراس إلى أن الجزائر تمتلك إمكانات لا بأس بها على العموم في القطاع الصحي، لكن على مستوى الإنعاش ليست متطورة بالشكل الذي توجد عليه في الدول المتطورة.

حالات كورونا في الجزائر

مؤكدة
87,502
وفيات
2,501
شفاء
56,617
نشطة
28,384
آخر تحديث:06/12/2020 - 03:20 (+01:00)

نبذة عن الكاتب

محمد لعلامة

محمد لعلامة

اترك تعليقا