حذرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة من تداعيات متسارعة للصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط، مؤكدة أن التوترات الحالية قد تتسبب في واحدة من أسرع وأشد الاضطرابات التي يشهدها تدفق السلع على المستوى العالمي، وهو ما يضع منظومة الأمن الغذائي أمام اختبار حقيقي في ظل ترابط الأسواق الدولية واعتمادها الكبير على استقرار سلاسل الإمداد.
وجاء هذا التحذير خلال مؤتمر صحفي عقد في نيويورك، حيث أوضح مسؤولو المنظمة أن استمرار التوترات، خاصة في محيط مضيق هرمز، من شأنه أن ينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج الزراعي، نظرا للدور الحيوي الذي يلعبه هذا الممر البحري في نقل النفط والغاز والأسمدة، وهي عناصر أساسية في دورة الإنتاج الغذائي العالمي.
ارتفاع تكاليف الأسمدة والطاقة
وأشار المتحدث باسم المنظمة إلى أن المضيق يمثل شريانا استراتيجيا تمر عبره نسب كبيرة من تجارة الطاقة العالمية، إلى جانب حصة معتبرة من تجارة الأسمدة، وهو ما يجعل أي اضطراب في حركته كفيلا بإحداث موجة ارتفاعات في الأسعار تمتد آثارها إلى مختلف الأسواق الزراعية، خاصة في ظل اعتماد إنتاج الأسمدة على الغاز الطبيعي، الأمر الذي يربط بشكل مباشر بين أسواق الطاقة والغذاء.
وفي هذا السياق، بدأت بالفعل مؤشرات الارتفاع في تكاليف المدخلات الزراعية بالظهور، حيث سجلت أسعار بعض الأسمدة زيادات ملحوظة، وهو ما يضع المزارعين أمام ضغوط متزايدة، تجمع بين ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة وتكاليف الري والنقل، بما قد يدفعهم إلى تقليص الإنتاج أو تغيير أنماط الزراعة نحو محاصيل أقل تكلفة، وهو سيناريو من شأنه أن ينعكس على حجم المعروض الغذائي عالميا خلال المواسم المقبلة، حسب المصدر نفسه.
ولم تستبعد “الفاو” أن تختلف تداعيات الأزمة وفقا لمدة استمرارها، إذ ترى أن احتواء التوتر خلال فترة قصيرة قد يسمح للأسواق بامتصاص الصدمة تدريجيا، غير أن استمرار الوضع لأكثر من شهر سيؤدي إلى تحولات أعمق تمس الإنتاج الزراعي عالميا، بما في ذلك لدى كبار المصدرين مثل الولايات المتحدة والبرازيل والأرجنتين وأستراليا، حيث قد تتراجع إنتاجية المحاصيل وتتغير القرارات الزراعية بشكل ملموس.
الدول الأكثر تضررا من الصراع
كما سلطت المنظمة الضوء على الدول الأكثر هشاشة أمام هذه التطورات، وفي مقدمتها مصر باعتبارها من أكبر مستوردي القمح عالميا، ما يجعلها عرضة مباشرة لتقلبات الأسعار واضطرابات الإمدادات، إلى جانب السودان الذي يعاني أصلا من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، في وقت ستواجه فيه دول الخليج تحديات إضافية بسبب اعتمادها الكبير على استيراد الغذاء رغم كونها مركزا رئيسيا لتصدير الطاقة.
أما إيران، فقد أشار مسؤولو المنظمة إلى أنها تشهد بالفعل ارتفاعا في أسعار السلع، غير أن اعتمادها النسبي على الإنتاج المحلي قد يخفف جزئيا من حدة التأثير مقارنة بدول أخرى أكثر ارتباطا بالاستيراد الخارجي.
وامتدت التحذيرات لتشمل التأثيرات الاقتصادية غير المباشرة، حيث نبهت “الفاو” إلى احتمال تراجع تحويلات العمالة الأجنبية في دول الخليج، وهو ما قد ينعكس سلبا على اقتصادات العديد من الدول النامية التي تعتمد بشكل كبير على هذه التدفقات المالية كمصدر رئيسي للدخل.
وفي مواجهة هذه التحديات، دعت المنظمة إلى تسريع التحرك الدولي لإيجاد ممرات بديلة لنقل السلع، وتقديم دعم عاجل للدول الأكثر اعتمادا على الاستيراد، إلى جانب تمويل المزارعين لضمان استمرار النشاط الزراعي وعدم تأثره بأزمات السيولة وارتفاع التكاليف.
الجزائر تعزز إستراتيجيتها لتحقيق الأمن الغذائي
تبرز الجزائر ضمن الدول التي تسعى إلى تعزيز أمنها الغذائي تحسبا لمثل هذه الاضطرابات، حيث أكد وزير الفلاحة ياسين وليد أن تحقيق السيادة الغذائية يمثل خيارا استراتيجيا.
كما أشار الوزير إلى برنامج وطني يستهدف رفع قدرات تخزين الحبوب وتوسيع الإنتاج الزراعي، بما يعكس توجها نحو تقليل التبعية للأسواق الخارجية في ظل عالم يتسم بتزايد المخاطر الجيوسياسية.
وفي هذا الصدد، كشف ياسين وليد إطلاق مشروع استراتيجي لتخزين الحبوب يتضمن إنجاز 30 صومعة كبرى، بسعة تصل إلى مليون قنطار لكل صومعة، ما يعني إضافة قدرة تخزين إجمالية تقدر بـ 30 مليون قنطار.
كما يشمل البرنامج إنشاء 350 مركز تخزين جواري موزعة عبر مختلف ولايات البلاد، بهدف تقليص الضغط على مراكز التجميع الكبرى وتحسين مرونة التوزيع.
وأضاف أنه من المنتظر أن ترفع هذه المشاريع قدرات التخزين الوطنية من نحو 4 ملايين طن حاليا إلى 9 ملايين طن، أي بزيادة تفوق 5 ملايين طن. وعلى مستوى الإنتاج، تعمل السلطات على مضاعفة مردودية الحبوب من متوسط 15 قنطارا في الهكتار إلى ما لا يقل عن 30 قنطارا في الهكتار، أي بزيادة تصل إلى 100%، وذلك من خلال توسيع المساحات المزروعة، خاصة في المناطق الجنوبية، واعتماد مسارات تقنية دقيقة في الزراعة









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين