باشرت الجزائر، في خطوة لافتة ذات دلالات سياسية عميقة، إجراءات إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية المبرمة مع دول الإمارات العربية المتّحدة، في قرار لا يمكن قراءته بمعزل عن السّياق العام الذي تمر به العلاقات الثنائية خلال السنوات الأخيرة.
فهذه الخطوة، وإن بدت في ظاهرها تقنية أو إدارية، إلا أنّها في جوهرها رسالة سياسية واضحة تعكس مستوى التوتّر القائم، وتؤشّر إلى أزمة ثقة متراكمة بين البلدين.
إلغاء اتفاقية تنظم حركة النّقل الجوي لا يُعدّ إجراءً عابرًا في قاموس العلاقات الدّولية، بل هو مساس مباشر بأحد أهم شرايين التواصل الاقتصادي والإنساني بين الدول؛ فالرّحلات الجوية ليست مجرّد وسائل نقل، بل هي جسور للتبادل التجاري والاستثماري والثقافي، وأي مساس بها يعني عمليًا الرّغبة في إعادة ضبط العلاقة أو حتى تجميد جزء معتبر منها، من هذا المنطلق، يظهر القرار الجزائري بوصفه فعلًا سياديًا مدروسًا، وليس ردّ فعل ظرفيًا أو خطوة ارتجالية.
لقد جاءت هذه الخطوة في سياق سياسي إقليمي ودولي معقّد، حيث تسعى الجزائر منذ سنوات إلى ترسيخ نهج مستقل في سياستها الخارجية، يقوم على رفض التدخّلات الخارجية، والدّفاع عن سيادتها، وعدم الانخراط في محاور إقليمية متصارعة.
وفي المقابل، تبنّت الإمارات خلال العقد الأخير سياسة خارجية نشطة، تقوم على توسيع نفوذها السياسي والإعلامي والاقتصادي في عدد من الملفات العربية، وهو ما وضعها في مسار تصادمي مع بعض الدول، ومنها الجزائر.
أحد أبرز عناصر هذا التوتر يتمثل في الطريقة التي تعاملت بها الإمارات مع ملف العلاقات الجزائرية-الفرنسية، وهو ملف بالغ الحساسية تاريخيًا وسياديًا بالنسبة للجزائر؛ فالعلاقة مع فرنسا لا تزال محكومة بإرث استعماري ثقيل، وملفات الذّاكرة والاعتذار والتعويض والهجرة واللّغة والثّقافة، وهي قضايا تمسّ جوهر الهوية الوطنية الجزائرية، لذلك، فإنّ أيّ تدخل خارجي في هذا الملف يُنظر إليه باعتباره مساسًا مباشرًا بالسّيادة ومحاولة للتّأثير على خيارات الدّولة.
في هذا الإطار، رأت الجزائر أنّ بعض المواقف الإعلامية والسّياسية المحسوبة على دوائر إماراتية لم تكتفِ بالاصطفاف إلى جانب الطرح الفرنسي، بل ساهمت في تغذية التوتر وتكريس سرديات تنتقص من الموقف الجزائري، بدل الدّفع نحو التهدئة والحوار، وهو ما فُهم داخليًا على أنّه محاولة لـ(صب الزيت على النار)، واستثمار أزمة تاريخية معقّدة لخدمة حسابات وتحالفات خارجية.
ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحد، بل تزامن ذلك مع اتهامات متكرّرة في الخطاب الإعلامي والسّياسي الجزائري بوجود محاولات للتدخّل غير المباشر في الشّأن الدّاخلي، سواء عبر منصّات إعلامية، أو عبر دعم أطراف وخطابات تسعى إلى التّشويش على الاستقرار السّياسي والاجتماعي.
ومع تراكم هذه المعطيات، تشكّلت لدى صانع القرار الجزائري قناعة بأنّ العلاقة مع الإمارات لم تعد تقوم على منطق الاحترام المتبادل وعدم التدخّل، كما كانت في السّابق.
من هنا، يمكن فهم إلغاء اتفاقية الخدمات الجويّة كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة ترتيب العلاقات الخارجية وفق معيار السّيادة والمصلحة الوطنية، وليس مجرّد إجراء عقابي محدود.
فالجزائر، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات الدّبلوماسية، تفضل غالبًا اعتماد سياسة (الرّسائل المتدرّجة)، أي الانتقال من التنبيه السّياسي، إلى التّحذير غير المباشر، ثمّ إلى الإجراءات العملية، قبل الوصول إلى مراحل أكثر حدّة.
ويبقى السؤال المطروح: هل وصلت العلاقات الجزائرية-الإماراتية إلى حد (الطّلاق الدبلوماسي) أو القطيعة النهائية؟ الواقع يشير إلى أنّ الأمور لم تبلغ بعد هذه المرحلة القصوى؛ فالعلاقات الدّبلوماسية الرّسمية ما زالت قائمة، والتّمثيل السّفاري لم يُمس، كما أنّ بعض قنوات التّعاون الاقتصادي والاستثماري لا تزال تعمل، ولو بوتيرة أضعف؛ غير أنّ ما يحدث اليوم يعكس بلا شك مرحلة (برود استراتيجي) وأزمة ثقة عميقة، قد تتطوّر في أي اتجاه حسب سلوك الطّرفين في المرحلة المقبلة.
إنّ الجزائر، في تعاملها مع هذا الملف، لا تسعى إلى التّصعيد من أجل التّصعيد، ولا إلى خلق خصومات مجانية، بل إلى فرض معادلة واضحة قوامها أنّ الشّراكة الحقيقية لا تقوم إلا على احترام السّيادة، وعدم التدخل في الشّؤون الدّاخلية، وعدم توظيف الملفّات الحسّاسة كورقة ضغط سياسي، وفي المقابل، فإنّ استمرار السّياسات التي تُفهم على أنها عدائية أو مستفزّة لن يؤدي إلّا إلى تعميق الهوّة وتوسيع دائرة الخلاف.
في المحصّلة، لا يمكن اعتبار إلغاء اتفاقية الطيران مجرّد خلاف تقني أو إداري، بل هو تعبير عن تحوّل في المزاج السّياسي والدّبلوماسي الجزائري تجاه الإمارات، وانتقال من منطق المجاملة الدّبلوماسية إلى منطق الصّرامة في الدّفاع عن المصالح الوطنية.
وهو أيضًا رسالة إلى مختلف الشّركاء الإقليميين والدّوليين مفادها أنّ الجزائر لم تعد تقبل بعلاقات رمادية أو ملتبسة، بل بعلاقات واضحة المعالم والحدود.
ويبقى مستقبل العلاقات الجزائرية-الإماراتية مرهونًا بمدى استعداد الطّرفين لإعادة بناء الثّقة على أسس جديدة، قوامها الاحترام المتبادل، والابتعاد عن منطق المحاور، وعدم الزج بالجزائر في صراعات أو حسابات لا تخدم استقرارها ووحدتها، فإمّا أن تتحوّل هذه الأزمة إلى محطّة مراجعة وتصحيح، وإمّا أن تكون بداية لمسار طويل من التباعد السّياسي والدّبلوماسي.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين