الرئيسية » مقالات الرأي » وسيط الجمهورية بين القضاء والبيروقراطية

وسيط الجمهورية بين القضاء والبيروقراطية

وسيط الجمهورية بين القضاء والبيروقراطية

أبدى الكثير من الجزائريين رفضهم لوسيط الجمهورية وذلك لعدة تحفظات يمكن إجمالها في النقاط التالية:

فكرة قديمة وضعها اليمين زروال وأثبتت فشلها واستغنى عنها عبد العزيز بوتفليقة مباشرة عند توليه رئاسة البلاد.

تضخيم للجهاز البيروقراطي الذي يفترض تقليصه.

المهام الموكلة له من صميم اختصاص القضاء وتكفي العدالة الحرة والنزيهة لاسترداد المظالم.

بعض المهام يفترض أنها منوطة بالمنتخبين الذين من واجباتهم متابعة انشغالات المواطنين والدفاع عنها في مختلف مؤسسات الدولة عبر الوظيفة الرقابية التي تأتي في صميم وظائفهم.

عبء إضافي على خزينة الدولة المثقلة بالكم الكبير من الوزارات والهيئات التي يتوجب تقليصها والاستغناء عنها.

منطق التعيينات انطلاقا من الموالاة للسلطة السياسية سيجعل الوسيط خاضعا للمنظومة نفسها ولا يمكنه الخروج عنها، وفي ظل غياب الإرادة السياسية فسيتحول الوسيط إلى مجرد هيكل بيروقراطي بدون روح.

كل التحفظات المشار إليها أعلاه تتسم بالموضوعية ويتوجب أخذها بعين الاعتبار، عند البحث في موضوع وسيط الجمهورية ومستقبل هذا الجهاز في مكافحة الفساد واسترداد المظالم.

وانطلاقا منها يمكن رصد أهم التحديات التي تواجه عمل وسيط الجمهورية فيما يلي:

وسيط الجمهورية والقضاء

وفق الجريدة الرسمية يعتبر وسيط الجمهورية هيئة طعن غير قضائية وليس له صلاحية التدخل في أيّ إجراء قضائي أو أن يعيد النظر في أيّ مقرر قضائي؛ بالتالي يفترض أن الوسيط يبدأ من حيث ينتهي القضاء، وهنا يظهر قصور الفكرة التي تتحدث عن القضاء واستقلاليته والتي تكفي لاسترداد المظلوم حقه، لأن التدقيق في الموضوع يكشف أن القضاء يبقى في النهاية بدون مخالب تردع البيروقراطي، فأقصى ما يمكنه فعله كإجراء ردعي “الغرامة التهديدية” والتي يجبر من خلالها البيروقراطي على دفع تعويض مالي لأي موظف حكم القضاء بعودته لمنصبه ولم ينفذه.

ومثل هكذا إجراء قد يصلح حين تكون المؤسسة خاصة، ولكن في المؤسسات العمومية فإن المدير لن يدفع  الغرامة من جيبه وإنما من خزينة الدولة، وبالتالي هذا الإجراء غير عملي.

لذلك فإن وسيط الجمهورية من خلال موقعه والصلاحيات المخولة له ولانتمائه إلى السلطة التنفيذية يمكنه أن يلزم المؤسسة بتنفيذ الحكم بل أكثر من ذلك لابد من حثه المسؤول الأعلى بمعاقبة هذا المدير أو ذاك الذي لم يستجب للحكم القضائي لردعه وأمثاله عن هذه الممارسات التي تثقل ميزانية المؤسسات بمصاريف اضافية فقط لتلبية نزوات التسلط والتعنت عند المدراء الفاسدين الفاشلين الذين حولوا مؤسسات الدولية إلى ملكية خاصة يتصرفون بها كما يشاؤون.

وسيط الجمهورية والبيروقراطية

من الناحية النظرية يستمد الوسيط سلطته من رئيس الجمهورية، ويخوّل له صلاحيات المتابعة والرقابة العامّة، والقيام بالتحرّيات التي تسمح له بالتعاون مع الإدارات والمؤسّسات المعنية، أن يقوم بالأعمال اللازمة لإنجاز مهامه، ويستطيع إخطار أية إدارة أو مؤسّسة يمكنها أن تقدم له مساعدة مفيدة.

كما يمكنه أن يطلع على أي وثيقة أو ملف لهما صلة بأعماله، كما يستطيع أن يقترح في التقارير التي يرفعها إلى رئيس الجمهورية، التدابير والقرارات التي ينبغي اتخاذها ضدّ الإدارة المعنية أو موظفيها المقصرين.

بكل تأكيد على مستوى النصوص يبدو أن الوسيط يمتلك قوة كبيرة جدا للحد من ظاهرة الفساد والتغول البيروقراطي والتعسف في حق المواطنين، كونه ينتمي للسلطة التنفيذية، وهذه الجزئية بقدر ما تعتبر من أهم نقاط قوته إلا أنها في الوقت نفسه من أبرز نقاط ضعفه، لأن هذه الدائرة ترتبط باللوبيات وجماعات المصالح المتنفذة داخل أجهزة الدولة، وممارستها للفساد تنطلق من هذه الخلفية أساسا، ولعل أصداء محاكمة الكثير من رموز السلطة السابقة خير دليل على ذلك.

ومن الأمثلة أن تطرح على المستوى المحلي مسألة يكون أحد أطرافها له علاقات ونفوذ مع مسؤولين سياسيين وأمنيين في مناصب عليا يوفرون له الحماية وسيحاولون تحصينه من أي اجراء يتخذه في حقه وسيط الجمهورية، وهنا مكن التحدي الأساسي له لإثبات دوره أو تأكيد الأحكام المسبقة والتي توقعت هذا السيناريو وحكمت بعدم جدوى استحداث هذه المؤسسة أو إعادتها للحياة.

وسيط الجمهورية والمنتخبون

رأى بعض المنتخبين في المهام الموكلة لوسيط الجمهورية سحب لصلاحيات وأدوار السلطة التشريعية من العملية السياسية واضافتها لسلة السلطة التنفيذية الممتلئة، وبالتالي سيساهم في تغول الأخيرة وحصر المنتخبين في الزاوية وابقائهم في موضع المتفرج.

هذه القراءة يمكن اعتبارها نظرة للنصف الفارغ من الكأس، وبمقاربة الموضوع من النصف الآخر فيمكن أن يكون هناك تناسق بين عمل الوسيط والمنتخبين وتكامل في الأدوار بينهما وليس بالضرورة تعارض.

فمنصب الوسيط وصلاحياته ستكون حجة للمنتخبين ضد السلطة التنفيذية في حالة عدم قيامه بالمهام الموكلة له، وأداة للضغط عليها، خاصة وأنها تفتح مسلك مؤسسي جديد لدوره الرقابي بدل أن تترك المنتخب في مواجهة مباشرة مع البيروقراطية التي لا يتملك أدوات قوية للضغط عليها، بدليل الحصيلة الهزيلة للمنتخبين في هذا الجانب.

الشفافية وقشة الوسيط

وفق الجريدة الرسمية فإن أي شخص طبيعي استنفذ كل طرق الطعن، يرى في نفسه ضحية غبن له أن يُخطر وسيط الجمهورية.

هذه المادة وغيرها التي تبين صلاحيات وأدوار وسيط الجمهورية، لن يتوقف عندها الكثير من المواطنين خاصة أولئك الذين أنهكتهم المحاكم أو تعسف البيروقراطيين، وكما الغريق سيتعلقون بقشة الوسيط بغض النظر عن اندراج قضيتهم ضمن صلاحياته أم خروجها عن نطاقها، وأي اجابة من الصنف الأخير سيعتبرونها تأكيدا على حالة التعسف والظلم التي يقابلون بها في مختلف الأجهزة البيروقراطية، وستكون بالنسبة لهم دليلا على أن الوسيط شكل آخر من القهر وآخر صخرة تتكسر عليها آمالهم بالعدل، والتفسير الجاهز أن الوسيط قد تعرض لضغوط من جهات عليا والادعاء بخروج القضية عن نطاق صلاحياته مجرد تهرب وتغطية عن الحقيقة.

وقد تكون مثل هذه القراءة صحيحة في حالات ما، ولذلك فإن الشفافية هي الجزئية المفصلية في عمل وسيط الجمهورية ولابد من إدارة العملية الاتصالية بشكل احترافي ووجود خلية توجيه للمواطن في مثل هكذا حالات وتدرج ضمن حصيلته السنوية، ولابد من الاستثمار في التكنلوجيا واستحداث موقع إلكتروني يتيح للمواطن التقدم بمظلوميته ومتابعتها عن قرب وعن بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.